رَحِيمٌ [المائدة:74] ، فالمسلم يقول: اللهم إني أرجو رحمتك إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أتوب إليك وأستغفرك يا غفور يا رحيم.
وأيضا قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلجَأَ مِنَ الله إلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة:118] ، فلو تخلف مسلم عن تنفيذ أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ففعل محرما أو ترك واجبا، أو أحس بمرارة الذنب، وندم وأسف على ما سبق من الود والحب، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فله أن يدعو دعاء مسألة بمقتضى حال الثلاثة الذين خلفوا عن غزة تبوك، فيقول مثلا: اللهم ضاقت علي الأرض بما رحبت، وضاقت علي نفسي، وأيقنت أنه لا ملجأ منك إلا إليك؛ فتب علي إنك أنت التواب الرحيم.
وكذلك قوله تعالى عن نبيه شعيب - عليه السلام - لما قال لقومه: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود:90] ، فالموحد لله في أسمائه يقول في دعاء المسألة: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك إنك أنت الرحيم الودود.
ويمكن الدعاء أيضا بمقتضى الاسم المطلق في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78] ، فالموحد يطلب من ربه أن يمسكه بشرعه، وأن ينير له سبل الهداية والصلاح، وأن يبصره بأسباب النجاح والفلاح وأن يجعل له بصيرة في قلبه وعصمة في قربه، وأن يتولاه بحفظه وينصره على عدوه، وكذلك الدعاء بمقتضى قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:58] ، وقوله: {قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء:96] ، يقول في دعائه: اللهم يا خبير يا بصير، سبحانك وبحمدك، توكلت عليك في مسألتي وأنت عليم بذنبي فاغفر لي وعافني وارزقني، واقض حاجتي ويسر أمري ويسمي لربه ما يشاء.
وقس على ذلك ما ورد في قوله تعالى عن آدم - عليه السلام - وحواء: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف:23] ، وقوله سبحانه عن نبيه نوح - عليه السلام: {وَإلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الخَاسِرِينَ} [هود:47] ، وقوله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: { وَاسْتَغْفِرِ الله إِنَّ الله كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:106] ، فالمسلم يتأول القرآن قولا وفعلا وينفذ مقتضى الطلب أو الخبر، ويقول في دعاء المسألة: اللهم اغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، وفي دعاء العبادة كما سيأتي تفصيله بحول الله يصدق مع ربه بالإخلاص في التوبة والاستغفار، وقد كان النبي يتأول القرآن على هذا النحو كما ورد عند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللهمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللهمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) [1] ، وتعني أنه كان ينفذ أمر الله له في سورة النصر: {إِذَا جَاء نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:1/ 3] ، والمراد بالتأويل الحقيقة التي يؤول إليها الكلام وهذا المقصود بالتأويل في عرف السلف، فتأويل الأمر عندهم تنفيذه، أو فعل المأمور به وترك المنهي عنه، وتأويل الخبر عندهم وقوعه وحدوثه مطابقا لما ذكره المتكلم سواء في الماضي أو الحاضر والمستقبل [2] .
والقصد أن الدعاء عبودية لله تعالى، وافتقار إليه، وتذلل بين يديه، فكلما كثره العبد وطوله، وأعاده وأبداه، ونوع جمله، كان ذلك أبلغ في عبوديته وإظهار فقره وتذللِه وحاجته، وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه، وهذا بخلاف المخلوق، فإنك كلما كثرت سؤاله وكررت حوائجك إليه أبرمته وأثقلت عليه، وهان أمرك بين يديه، وكلما تركت سؤاله كان أعظم عنده وأحب إليه، والله سبحانه كلما سألته كنت أقرب إليه وأحب إليه، وكلما ألححت عليه في الدعاء أحبك، ومن لم يسأله يغضب عليه، فالله يغضب إن تركت سؤاله، وبني آدم حين يسأل يغضب، فالمطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه [3] ، ومن ثم سوف نستقصي في بحثنا ما
(1) البخاري في كتاب الأذان، باب التسبيح والدعاء في السجود 1/ 281 (784) .
(2) ليس معنى التأويل عند السلف هو ما اشتهر عند أغلب الناس من صرف المعنى الراجح إلى آخر مرجوح بدليل أو بغير دليل، كتأويل المتكلمين لاستواء الله على العرش بالاستيلاء والغلبة والقهر، وتأويل اليدين بالقوة والقدرة، أو النعمة والرحمة، أو ما شابه ذلك، فإن السلف لا يعرفون ذلك، ولا قال أحد منهم بمثل هذا التأويل، بل التأويل عندهم هو ما ورد في القرآن والسنة، وهو بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، أو التفسير والبيان، وقد شرحناه في عدة مواضع من كتبنا، انظر توحيد الصفات بين اعتقاد السلف وتأويلات الخلف ص42، ومختصر القواعد السلفية في الصفات الربانية ص35، والمحكم والمتشابه وقضية التأويل ص23.
(3) انظر جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام لابن القيم ص299 بصرف.