فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 673

والله عز وجل لا يتصف إلا بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه كالحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر والرحمة، والعزة والحكمة والعظمة وغير ذلك من أوصاف الكمال، أما ضد ذلك من أوصاف النقص كالموت والعجز والظلم، والغفلة والسنة والنوم، فالله منزه عنها وعن كل وصف لا يليق بجلاله مما وصف الواصفون فقال: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات:180] .

أما إذا كان الوصف عند تجرده عن الإضافة في موضع احتمال، فكان كمالا في حال ونقصا في حال، فهذا لا يصح فيه إطلاق الاسم أو الوصف، وينبغي على المسلم ألا يثبته لله إثباتا مطلقا ولا ينفيه عنه نفيا مطلقا، بل لا بد من البيان والتفصيل والتقيد بما ورد في التنزيل، وهذا منهج السلف الصالح في الألفاظ التي تحتمل وجهين عن التجرد عن الإضافة، كالمكر والخداع والنسيان، والاستهزاء والكيد والخذلان وغير ذلك من الأوصاف كالتردد والاستخلاف [1] .

فالمكر مثلا هو التدبير في الخفاء بقصد الإساءة أو الإيذاء وهذا قبيح مذموم، أو بقصد الابتلاء والجزاء وهذا ممدوح محمود، ولهذا لا يصح إطلاق الماكر اسما ووصفا في حق الله دون تخصيص لأن الإطلاق فيه احتمال اتصافه بالنقص أو الكمال، والله نسب إلى نفسه المكر مقيدا فقال: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران:54] ، وقال جل شأنه: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:50] ، وفي هذه المواضع لا يحتمل التقييد إلا الكمال فجاز أن يتصف به رب العزة والجلال.

وما يقال في المكر يقال أيضا في الاستهزاء والخداع والسخرية والكيد، فليس من أسمائه الماكر والخادع والفاتن والمضل والفاعل والكاتب ونحوها لأن ذلك يكون كمالا في موضع ونقصا في آخر فلا يتصف به إلا في موضع الكمال فقط.

(1) انظر هذا المعنى في المواضع الآتية: الحقيقة والمجاز لابن تيمية 20/ 471، وانظر له أيضا الرسالة التدمرية ص 14، والمحلى لابن حزم 1/ 34، وإعلام الموقعين لابن القيم 3/ 218، وحز الغلاصم في إفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر لابن حيدرة 2/ 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت