المشارك، وشاركت فلانا صرت شريكه، وأشرك بالله جعل له شريكا فيما انفرد به، والشرك بالله مبناه على منازعة الله في أوصافه بالتشبيه [1] ، فمن تشبه بالله في أسمائه وأوصافه وتعالى عن حد العبودية فقد أشرك بالله في الربوبية، ومن شبه المخلوق بالخالق ووصفه بأوصاف العظمة التي لا تنبغي إلا لله فقد وقع في شرك العبودية، ومن شبه الخالق بالمخلوق فمثل وكيف وعطل وحرف فقد وقع في شرك الأسماء والصفات.
وكثيرا ما يُذكر دعاء المشركين لآلهتهم في القرآن كتعبير عن دعاء المسألة والعبادة معا، وإن كان دعاؤهم يغلب عليه دعاء المسألة في بعض المواضع، وفي مواضع أخرى يغلب عليه دعاء العبادة، فقوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف:194] ، الأغلب فيه دعاء المسألة لأنه يردا به النداء والطلب والسؤال، وهذه المعبودات لا تستجيب لانتفاء صفات الإلوهية اللازمة للإجابة، وكذلك قوله: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:14] ، وقوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَل مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنسان كَفُورًا} [الإسراء:67] ، الأغلب فيه دعاء المسألة لأنه قوله: لا يسمعوا دعاءكم، وقوله: ضل من تدعون، هو دعاء مسألة واستغاثة، ولما أيقن المشركون أنه لا يجيب المضطر إذا دعاه إلا الله وحدوه وأخلصوا له في دعاء المسألة، روي النسائي وصححه الألباني من حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أنه قال: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أَمَّنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلاَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ .. قال: وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا فَإِنّ آلِهَتَكُمْ لاَ تُغْنِى عَنْكُمْ شَيْئًا هَا هُنَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنَ الْبَحْرِ إِلاَّ الإِخْلاَصُ لاَ يُنَجِّينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ، اللهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَىَّ عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عافيتني مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنْ آتِىَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَضَعَ يدي في يَدِهِ فَلأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجَاءَ فَأَسْلَمَ) [2] .
وقد يكون دعاء المشركين محمول على دعاء العبادة كقوله تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ
(1) لسان العرب 10/ 448، كتاب العين 5/ 293، والمغرب 1/ 441.
(2) النسائي في كتاب تحريم الدماء، باب الحكم في المرتد 7/ 105 (4067) .