ولهذا كان التوحيد أول واجب على العبيد وهو حق الله عليهم، وقد وعدهم - عز وجل - ألا يعذبهم كحق لهم عليه - فرضه على نفسه تفضلا منه وتكرما - إن هم عبدوه ولم يشركوا به شيئا، روى البخاري من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (لَمَّا بَعَثَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم مُعَاذًا عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ .. الحديث) [1] ، وفي رواية أخرى عند البخاري: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ تَعَالَى .. ) [2] .
وروى أيضا من حديث معاذ - رضي الله عنه - أنه قال: (بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النبي صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بيني وَبَيْنَهُ إِلاَّ آخرة الرَّحْلِ، فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ) [3] ، وهذا الحديث يدل على فضل التوحيد ومكانته وعظيم أثره على العبد وسلامته.
وإذا كان توحيد الله - عز وجل - هو أن تفرده بما له من العبودية ولا تنازعه في شيء من الربوبية؛ فإن توحيد العبد لأسمائه وصفاته وتأثير ذلك على حياته هو غاية الغايات ومنتهى الإرادات التي يسعى إليها السابقون؛ فهم يعلمون به عظمة معبودهم ويعرفون من خلاله ما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، فتراهم بباعث العظمة والخشية يوحدون الله في كل خَطْرة أو همسة وكل حركة أو سكنة، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ً} [فاطر:28] ، فعندما يسمعون خبر الله - عز وجل - بأنه الإله الواحد الأحد تجدهم يتوجهون إليه في سائر شئونهم، ويخلصون له في دعائهم ويجعلون إلههم منتهى خوفهم ورجائهم، ومنتهى أملهم وغايتهم، لا مجال لغيره في قلوبهم إلا ما أذن
(1) البخاري في الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة 2/ 529 (1389) .
(2) البخاري في التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله 6/ 2685 (6937) .
(3) البخاري في اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل 5/ 2224 (5622) .