به في شرعه، وإذا علموا أن من أسمائه الرحمن الرحيم العفو الحليم الغفور الكريم لم يقنطوا من رحمته أبدا، وأنه في عفوه وحلمه لا يرد من عباده أحدا وأنه يغفر الذنب بكرمه مهما بلغت كثرته عددا.
ولو علم الموحدون أن الله متكبر متعال ديان قهار عزيز جبار اهتزت قلوبهم خوفا يخمد هوى النفس ونزغ الشيطان، واستعاذوا واستغاثوا بالله من إقدامهم على العصيان، ولو علموا أنه المعطي المقيت الرزاق الغني المتوحد في غناه ازداد الغني منهم فقرا إلى الله، ولم يلجأ فقيرهم لسواه، وهكذا يصبح لكل اسم من أسماء الله أثر في كيان الإنسان ودعوة للعبادة والإيمان، فتوحيد الأسماء والصفات ليس كما يظن البعض أنه لا أثر له في الواقع العملي أو المنحى السلوكي، ويحاول الابتعاد عن الحديث فيه بحجج واهية لا دليل عليها، فمثل هذا محجوب بجهله وتعطيله، ومحروم بسوء ظنه وتأويله، إذ كيف يكون ذكر المحبوب وتوحيده بأسمائه وصفاته لا يؤثر في قضية الإيمان، أو لا يبدو له أثر في حياة الإنسان؟ والله - عز وجل - أخبرنا في كتابه أنه جعل طمأنينة القلب بمعرفته وذكره، وقربه وحبه؛ فقال - جل جلاله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ً} [الرعد:28] ، فلا بد أولا من منهج سليم يعي به المسلم حقيقة الإيمان، وكيف يوحد الله في أسمائه وأوصافه كما جاء بها القرآن؟ فيثبت ما أثبته الله - عز وجل - لنفسه تصديقا بخبره وخبر نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تمثيل ولا تكييف ومن غير تعطيل ولا تحريف، ويعلم أن ما أخبر الله - عز وجل - به ليس فيه لغز ولا حشو ولا أحاجي، وإنما هو كلام عربي معجز فهمه الصحابة - رضي الله عنهم - فصدقوا ربهم في خبره وأطاعوه في أمره، وعظموه ووحدوه في أسمائه وأوصافه، ثم بدت آثار ذلك على أقوالهم وأفعالهم وجهادهم كما سيأتي تفصيل ذلك بإذن الله عند الحديث عن دعاء العبادة بكل اسم من أسماء الله الحسنى.
ومن هنا كانت أهمية البحث في هذا الجزء وكيفية الدعاء بكل اسم منها دعاء عبادة؟ ولعل ما سبق من الأجزاء وما تعلق بموضوع الإحصاء وبيان الشرح ودلالة الأسماء ثم البحث عن كيفية السؤال بها والدعاء، لعل ذلك يسهم في خدمة هذا الموضوع، وأن يكون الإيمان بأسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة عاملا فعالا في توحيد الله - عز وجل - كما ينبغي، وسببا في توجيه الأمة الإسلامية إلى الالتزام بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم.