فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 673

التكليف وقوف الموقنين الراسخين، وحاله في الإيمان كحال القائلين: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ً} [الفاتحة:5] ، فالتوحيد الحق أن يضع العبد في اعتقاده توحيد الربوبية ويُظهِر في سلوكه توحيد العبودية، ويعظم الله في أسمائه وصفاته بالقلب واللسان والجوارح، ويصرف إليه كل معاني العلو والتوحيد، وهذا هو المقصود من دعاء العبادة، قال تعالى: {هُوَ الحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ً} [غافر:65] ، وقال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60] ، وقال - عز وجل - أيضا: {وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّل عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ً} [هود:123] ، وروى مسلم من حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند سفره: (سُبْحَانَ الذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأهْلِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ فِي المَالِ وَالأهْلِ) [1] .

فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم والخليفة في الأهل، فيه كمال التواضع والافتقار؛ لأن الله لما استخلف النبي صلى الله عليه وسلم في أهله واسترعاه فيهم وأودعهم أمانة عنده على سبيل الابتلاء والاختبار، كان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم في المقابل هو طلب العون والدعاء، وإظهار مقتضى التوحيد في الأسماء، وأن بداية الأمر منه وتمامه عليه ومنتهاه إليه، فطلب العون من ربه واعترف له بعجزه، واعترف بضعفه في إبقاء الأمانة محفوظة على شرعه، فدعا ربه أن يكون خليفته في أهله وأن يعاونه في المحافظة عليهم، وكأنه يعيد الأمانة أو الوديعة إلى صاحبها.

ومن هنا نعلم أثر الأسماء الحسنى وما تضمنته من الصفات، وظهور أثر كمالها المقدس وارتباطه بحكمته سبحانه في المخلوقات، وظهور بواعث محبته على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بمقتضاه؛ فتشهد حكمته الباهرة في كل فعل أو حكم قضاه، وأنه سبحانه الجواد الذي يحب أن يجود، والعفو الذي يحب أن يعفو والغفور الذي

(1) مسلم في الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره 3/ 978 (1342) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت