يحب أن يغفر، وأنه لا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا، وأن الله يحب أن يثنى عليه، ويمدح ويمجد، ويسبح ويعظم إلى غير ذلك من الحكم، وقد أثنى الله على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:190/ 191] ، وأخبر أن هذا ظن أعدائه لا ظن أوليائه، فقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص:27] [1] ، فالله - عز وجل - أبرز خلقه من العدم إلى الوجود ليجري عليه أحكام أسمائه وصفاته؛ فيظهر كماله المقدس وإن كان لم يزل كاملا، وإذا أدرك الموحد ذلك كانت حقيقة توحيده ودعاء العبادة في اعتقاده وأقواله وسلوكه بادية في إفراده سبحانه بكماله في خلقه وأمره، وقضائه وقدره، ووعده ووعيده، ومنعه وإكرامه، وعدله وفضله، وعفوه وإنعامه، وسعة حلمه وشدة بطشه، وأن الله قد اقتضى كماله المقدس أنه كل يوم هو في شأن فمن جملة شؤونه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويشفي مريضا، ويفك عانيا، وينصر مظلوما ويغيث ملهوفا، ويحبر كسيرا، ويغني فقيرا، ويجيب دعوة، ويقيل عثرة ويعز ذليلا، ويذل متكبرا، ويقصم جبارا، ويميت ويحيي، ويضحك ويبكي ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويرسل رسله من الملائكة ومن البشر لتنفيذ أوامره وسوق مقاديره التي قدرها إلى مواقيتها التي وقتها، وهذا كله لم يكن ليحصل إلا في دار ابتلاء وامتحان واستخلاف للإنسان في الأرض [2] .
قال ابن قيم الجوزية: (لا بد من ظهور أثر هذه الأسماء ووجود ما يتعلق به؛ فاقتضت حكمة الله أن أنزل الأبوين من الجنة ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما، فلو تربت الذرية في الجنة لفاتت أثار هذه الأسماء وتعلقاتها، والكمال الإلهي يأبى ذلك فإنه الملك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهي، ويكرم ويهين، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل فأنزل الأبوين
(1) شفاء العليل ص 199 بتصرف.
(2) السابق ص 244 بتصرف.