والذرية إلى دار تجري عليهم هذه الأحكام) [1] .
وهكذا حال الإنسان لما حمل الأمانة ورفضتها المخلوقات هيأ الله الكون ليحقق معنى استخلافه في الأرض، بحيث يقوم الأمر على وجود مستخلِف ومستخلَف ومستخلَفٍ عليه، ومبتلِى ومبتلَى ومبتَلَى به، وأمين وأمانة ومالك لها، فالإنسان أمين في ملك الله وجاز أن ينسب إليه الملك على سبيل الاستخلاف والابتلاء والأمانة، والله - عز وجل - مالك للأمانة حقيقة وهو المنفرد بالخلق والأمر وتدبير الملك، فله مطلق التدبير الكوني وله حق التدبير الشرعي على سائر العباد، والأرض هي محل الابتلاء والأمانة التي سيسأل عنها الإنسان، والله سيعطي من خيراتها من يشاء على سبيل الأمانة والتخويل والابتلاء، وعلى هذا يصح القول بأن الإنسان خليفة الله في الأرض لإظهار معاني العبودية فقط، من القيام بشرعه وتنفيذ أمره، سواء كان على المعنى الخاص الذي يراد به الإمام أو الحاكم أو الأمير والسلطان، أو المعنى العام الذي يتناول جنس بني الإنسان، فإن أدى كل فرد الأمانة وأطاع ربه ووحد خالقه وكان خاضعا له على نحو ما أراده منه في دار الابتلاء، أبقاه مكرما في الجنة ودار الجزاء على هذا الشرف الذي ناله عند عرض الأمانة في الابتداءً، وأما إن كفر بربه ومستخلفه وظلم نفسه وأشرك به فهو ظلوم جهول خاسر في الدنيا والآخرة.
ويذكر ابن القيم أن يوم الميعاد الأكبر هو يوم مظهر الأسماء والصفات وأحكامها ولهذا يقول سبحانه: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ المُلكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ} [غافر:16] ، وقال جل جلاله: {المُلكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان:26] ، وقال تعالى: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ} [الانفطار:19] ، حتى إن الله سبحانه ليتعرف إلى عباده في ذلك اليوم بأسماء وصفات لم يعرفوها في هذه الدار، فهو يوم ظهور المملكة العظمى والأسماء الحسنى والصفات العلى، فتأمل ما أخبر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من شأن ذلك اليوم وأحكامه وظهور عزته تعالى وعظمته وعدله وفضله ورحمته وآثار صفاته المقدسة، وكيف أن دار الابتلاء جرى على أهلها أيضا مقتضى الأسماء ثم أعقبها دارا للجزاء يجري على أهلها أيضا
(1) السابق ص 243.