والله عز وجل جعل العبودية غاية ما ينتهي إليه الموحدون فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ، قال ابن تيمية: (هذه اللام ليست هي اللام التي يسميها النحاة لام العاقبة والصيرورة .. هي اللام المعروفة وهي لام كي ولام التعليل التي إذا حذفت انتصب المصدر المجرور بها علي المفعول له، وتسمي العلة الغائية وهي متقدمة في العلم والإرادة متأخرة في الوجود والحصول، وهذه العلة هي المراد المطلوب المقصود من الفعل .. فمقتضي اللام في قوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الإرادة الدينية الشرعية، وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع، فهو العمل الذي خلق العباد له) [1] .
ولما كانت الغاية هي تحقيق العبودية وتوحيد الله فيها فإن أداءها يتكامل في ذات العبد بين دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقد تقدم أن دعاء العبادة هو مقتضى قول العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5] ، ويكون بلسان الحال، أو هو تعبد لله يظهر التوحيد في كل اسم من أسمائه وكل وصف من أوصافه، بحيث تنطق أفعاله بشهادة لا إله إلا الله وأنه لا معبود بحق سواه، أما دعاء المسألة فهو مقتضى قول الموحدين في دعائهم: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] ، وهو استعانة منهم بلسان المقال، وطلب ما ينفع الداعي من جلب منفعة أو دفع مضرة، فيسأل الله بأسمائه الحسنى التي تناسب حاجته وحاله ومطلبه، ويتوسل إلى الله بذكرها وذكر ما تضمنته من كمال الأوصاف وجلالها، ويردد في دعائه من أسماء الله ما يناسبه عند تقلب الأحوال وقد تقدم ذكر ذلك في الجزء الخاص بدعاء المسألة.
غير أن الأمر في تقديم دعاء العبادة على دعاء المسألة وطلب الاستعانة إنما هو لمنزلة كل منهما في الدلالة على توحيد الله - عز وجل -، فتقديم دعاء العبادة مثلا على الاستعانة في فاتحة الكتاب من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها والاستعانة وسيلة إليها، كما أن قوله إياك نعبد متعلق بألوهيته واسمه الله، وإياك نستعين متعلق بربوبيته واسمه الرب، فقدم إياك نعبد على إياك نستعين كما قدم اسم الله على الرب في أول السورة فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] ، لأن إياك
(1) دقائق التفسير 2/ 528.