فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 673

نعبد فيها ما اختص به الرب، فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على الله تعالى لكونه أولى به، وإياك نستعين فيها ما اختص به العبد فكان من الشطر الذي له وهو اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة.

كما أن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله عبودية تامة مستعين به ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته فكانت العبادة أكمل وأتم ولهذا كانت فيما اختص به الرب، ولأن الاستعانة أيضا جزء من العبادة من غير عكس، وكذلك فأن الاستعانة طلب منه والعبادة طلب له، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص، ولأن العبادة حقه سبحانه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته.

ومن ذك أيضا أن العبادة شكر نعمته عليك، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك، فإذا التزمت عبوديته ودخلت تحت رقها أعانك عليها؛ فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم، والعبودية محفوفة بإعانتين، إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدا حتى يقضي العبد نحبه.

ومن ذلك أيضا أن إياك نعبد له وإياك نستعين به، وما له مقدم على ما به، لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه، وما به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته، وكذلك الملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم وتوحيدهم لله فقط، فالكفار أهل مشيئته والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته، فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم إياك نعبد على إياك نستعين [1] .

قال ابن تيمية رحمه الله: (تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال العون على

(1) مدارج السالكين 1/ 75 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت