مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين) [1] .
وربما يكون دعاء المسألة في بعض المواطن له أعلى المنازل في توحيد الله وعبادته وذلك عندما يدرك العبد أن عصمته في طاعته، وأن عبادته مرهونة بتوفيق الله ورعايته، وأن بلوغ جنته كان بسبب عونه وهدايته، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43] ، فأعمالهم سبب في دخول الجنة وليست من باب المقابلة والعدل، وإنما هي من باب الكرم والفضل، روى البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لاَ، وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) [2] ، فدعاء الله العصمة والنجاة من أعلى المنازل في توحيد العبودية لله، والمعصوم من عصمه الله واستجاب منه هذا الدعاء.
ويذكر ابن القيم أن الناس في العبادة والاستعانة أربعة أقسام، أجلها وأفضلها أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها، ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب تبارك وتعالى الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لحبه معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، روى أبو داود وصححه الألباني من حديث معاذ - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: (يا معاذ والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فقال: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) [3] ، فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه [4] .
وخلاصة القول أن التكامل حاصل بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، بل كل
(1) السابق 1/ 78.
(2) البخاري في كتاب المرضى، باب نهي تمني المريض الموت 5/ 2147 (5349) .
(3) أبو داود في الصلاة، باب في الاستغفار 2/ 86 (1522) ، صحيح الجامع (7969) .
(4) مدارج السالكين 1/ 78 بتصرف.