بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قال سبحانه وتعالى: {يَعْلمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلمًا} [طه:110] ، وقال - عز وجل: {أَلا يَعْلمُ مَنْ خَلقَ وَهُوَ اللطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك:14] ، وقال - جل جلاله: {يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلنُونَ وَاللهُ عَليمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [التغابن:4] ، فمن دعاء العبادة أن تتخير منهج الله منهجا لك في الحياة؛ فإن القوانين الوضعية فضلا عن كونها لا تحقق السعادة الإنسانية هي حكم بغير ما أنزل الله، وقد قال - عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] .
ومن دعاء العبادة أيضا تواضع العالم لربه حيث يتصاغر في نفسه مقدار علمه توحيدا لله في علمه، وأنه مهما بلغ علمه فإنه فوق كل ذي علم عليم، قال الله عز وجل: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُل ذِي عِلمٍ عَليمٌ} [يوسف:76] ، ومن ثم يحرص العالم على دوام التذلل والافتقار إلى رب العزة والجلال، ويبلغ هذه النعمة ولا يكتمها أو يجحدها عند السؤال، ويزداد بعلمه قربة لربه لأن التقوى مفتاح العلم بالله كما قال: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُل شَيْءٍ عَليمٌ} [البقرة:282] ، وإن لم يخلص العالم في علمه ويتقي الله في عمله، فعلمه سبب هلكته، وكسبه سبب تعاسته، روى مسلم من حديث أَبِي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في أول الناس يقضى عليه يوم القيامة: (وَرَجُل تَعَلمَ العِلمَ وَعَلمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِي بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَال: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَال تَعَلمْتُ العِلمَ وَعَلمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ قَال: كَذَبْتَ وَلكِنَّكَ تَعَلمْتَ العِلمَ ليُقَال عَالمٌ وَقَرَأْتَ القُرْآنَ ليُقَال هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيل، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى أُلقِي فِي النَّارِ .. ) [1] ، وقد ورد عند الترمذي وصححه الألباني من حديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أنه قال: (ذُكِرَ لرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالمٌ،
(1) مسلم في الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار 3/ 1513 (1905) .