فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 673

على الحقيقة، فهو الذي علم وكتب وشاء وخلق، قدر كل شيء بعلمه، وكتبه في أم الكتاب بقلمه، وأمضاه بمشيئته، وخلقه بقدرته، ثم أمر الناس أن يأخذوا بالأسباب التي خلقها وأحكم ابتلاءهم بها فقال: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلهِ إِلا قَليلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف:47] ، وقال تعالى أيضا: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ليَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ} [الفتح:29] ، فسماهم زراعا وقال تزرعون وسماهم كفارا لأنهم يضعون البذرة ويغطونها ويغيبونها في الأرض، فكلفنا بالعمل لأننا في دار ابتلاء وامتحان، والأخذ بالأسباب حتم على بني الإنسان؛ فهم مستخلفون في ملكه ومخولون في أرضه، فطالبنا بالعمل والإنفاق مع الإيمان بأنه الخلاق؛ ليصل كل منا إلي ما قدر له من الأرزاق، فقال - جل جلاله: {آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلكُمْ مُسْتَخْلفِينَ فِيهِ فَالذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لهُمْ أَجْرٌ كَبِير ٌ} [الحديد:7] .

ومن ثم فإن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، ولا بد أن يجتازها الإنسان، وهو فيها بين نازعين نفسيين متقابلين ومتضادين، وبين نجدين معروضين مطروحين بين إرادته ومخير فيهما بحريه إما إلى جنة وإما إلى نار، كل ذلك ليؤول الناس إلى سابق التقدير وما دون في الكتاب من تقرير المصير، لا تغير فيه ولا تبديل، قال تعالى: {فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى:7] .

فالخلاق سبحانه أظهر الدنيا أسبابا ونسب الفعل إلى أهلها لإظهار حكمته ونسب الفعل وأثبته لنفسه في موضع آخر لإظهار قدرته، فلا يتغافل العبد عن قدرته بدعوى الانشغال في النظر إلى حكمته، وأن الأسباب حاكمة على مشيئة الله وقدرته، وأنها صارمة لا يمكن أن يتخلف المعلول فيها عن علته، فالله - عز وجل - يخلق بأسباب وبغير أسباب، إن خلق بأسباب فهي العادات، وإن خلق بغير أسباب فهي خوارق العادات أو الكرامات والمعجزات، فتجد الثمرة يخلقها الله بعد خلق النبتة ويربط خلق الثمرة بوجودها، ويمكن أن يخلق الثمرة من غير نبتة ويصبح وجودها كعدمها، فهذه مريم ابنة عمران كانت تأكل من الثمار بدون أسباب في غير أوانها قال تعالى: {كُلمَا دَخَل عَليْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَا مَرْيَمُ أَنَّى لكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:37] ، قيل أنها كانت ترزق بفاكهة الصيف في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت