الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف [1] ، وهى قد علمت أن الذي يخلق الثمرة بأسباب قادر على أن يخلقها بغير أسباب، ويرزق من يشاء من عبيده بغير حساب، ولذلك كان من قوة يقينها أن الله اختارها محلا للابتلاء، وأنها ستحمل على غير عادة النساء، ويخرج منها عيسى - عليه السلام - كمعلول بغير علة ونتيجة بلا سبب، قال تعالى: {فَأَرْسَلنَا إِليْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّل لهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لكِ غُلامًا زَكِيًّا قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لي غُلامٌ وَلمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلمْ أَكُنْ بَغِيًّا قَال كَذَلكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَليَّ هَيِّنٌ وَلنَجْعَلهُ آيَةً للنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا قَال كَذَلكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَليَّ هَيِّنٌ وَلنَجْعَلهُ آيَةً للنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم 21:17] .
والمقصود بقوله هين أن خوارق العادات لا تأخذ في مراتب القدر ما تأخذه العادات، فالولد مثلا في العادة يخلق من أب وأم، وفي خرق العادة من أم فقط فالخلق في العادة أكثر منه في خارق العادة، فعند المقارنة الحسابية وطرح الخوارق من العادات تكون الخوارق أهون وأيسر، وإن كان كل شيء على الله يسير، لكن المراد أن يفهم سائر العباد أن قضية البعث والإعادة قضية حقيقية، وأن ذلك من الأمور اليقينية الحتمية، وهي يسيرة على الخلاق، قال تعالى: {وَهُوَ الذِي يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَليْهِ وَلهُ المَثَلُ الأَعْلى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [الروم:27] ، وقال: {أَوَليْسَ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلهُمْ بَلى وَهُوَ الخَلاقُ العَليمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الذِي بِيَدِهِ مَلكُوتُ كُل شَيْءٍ وَإِليْهِ تُرْجَعُونَ} [يّس:83] .
والله عز وجل قد يخلق العلة ولا يخلق معلولها كما فعل بإبراهيم - عليه السلام: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلينَ قُلنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69] ، أضرموا نارا لا يقوى الطير على المرور من فوقها، وقد توفرت لهم العلة ولكن الله لم يخلق معلولها.
(1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3/ 244.