وعند البخاري من حديث أنس بنِ مالكٍ - رضي الله عنه: (أنَّ يَهودِيَّةً أتَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مَسمومَةٍ فأكَل منها فجيء بها، فقيل: ألا نقتُلُها؟) [1] ، وفي رواية مسلم: (فجيء بِهَا إِلى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلهَا عَنْ ذلكَ؟ فَقَالتْ: أَرَدْتُ لأَقْتُلكَ، قَال: مَا كَانَ اللهُ ليُسَلطَكِ عَلى ذَاكِ، أَوْ قَال: عَليَّ، قَال قَالُوا: أَلاَ نَقْتُلها؟ قَال لاَ) [2] ، فالسم علة تخلف معلولها ولم تؤثر في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد يخلق المعلول بلا علة، كما خلق ناقة صالح من الجبل: {وَإِلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالحًا قَال يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُل فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَليمٌ} [الأعراف:73] .
وعند البخاري من حديث عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ - رضي الله عنه: (أنَّ أصحابِ الصُّفَّةِ كانوا أُناسًا فُقراءَ، وأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: مَن كان عندَهُ طعامُ اثنينِ فليَذْهَبْ بثالثٍ وإِنْ أَربعٌ فخامسٌ أو سادس، وإنَّ أَبا بكرٍ جاءَ بثلاثةٍ فانطلقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعشَرةٍ، قال: فهوَ أَنا وَأَبي وَأُمي وخادِمٌ بينَنا وبينَ بَيتِ أبي بكر، وإِنَّ أَبا بكرٍ تَعشَّى عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم لبِثَ حيثُ صُليَتِ العِشاءُ، ثم رجعَ فلبِثَ حتّى تعَشَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فجاءَ بعدَ ما مضى مِنَ الليل ما شاءَ اللهُ، قالت له امرأَتهُ: وما حبَسكَ عن أضيافِكَ؟ قال: أَوَ ما عَشيِتيهم؟ قالت: أَبَوا حتّى تَجيء، قد عُرِضوا فأَبَوا، قال: فذهبتُ أَنا فاختبأْتُ، فقال: يا غُنثَرُ، فجدَّعَ وسَبَّ، وقال: كُلوا لا هَنِيًّا فقال: وَاللهِ لا أَطعَمُه أبدًا، وأَيمُ اللهِ، ما كنا نأْخُذُ من لُقمةٍ إلاّ رَبا من أَسْفلها أكثرُ منها قال: يعني حتى شَبِعُوا، وصارتْ أَكثَرَ مِما كانت قبل ذلك، فنظرَ إِليها أبو بكرٍ فإِذا هيَ كما هيَ أو أكثرُ، فقال لامرأتِه: يا أُختَ بني فِراسٍ ما هذا؟ قالت: لا وقُرَّةِ عيني لهيَ الآنَ أَكثرُ منها قبل ذلكَ بثلاثِ مرّاتٍ، فأَكل منها أبو بكرٍ وقال: إِنما كان ذلكَ منَ الشيطانِ، يعني يَمينَهُ، ثمَّ أَكل منها لُقمةً، ثمَّ حَملها إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فأصبحتْ عندَه، وكان بينَنا وبينَ قومٍ عَقدٌ فمضى الأجلُ ففرَّقَنا اثْنَيْ عشرَ رجُلًا، معَ كل رجلٍ منهم أُناسٌ اللهُ أعلم كم مَع كل رجُلٍ، فأكلوا منها أجمعون، أَو كما قال) [3] .
(1) البخاري في الهبة، باب قبول الهدية من المشركين 2/ 923 (2474) .
(2) مسلم في السلام، باب السم 4/ 1721 (2190) .
(3) البخاري في مواقيت الصلاة، باب السمر مع الضيف والأهل 1/ 217 (577) ، والغنثر هو الثقيل الوخيم طويل البال وقيل الضعيف الحقير، ومعنى فجدَّعَ وسَبَّ، دعا بقطع الأنف وغيره من الأعضاء وشتم على تأخير واجب الضيافة، انظر فتح الباري 6/ 598.