فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 673

وعند البخاري من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَجَعَل المَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ؛ فَتَوَضَّأَ القَوْمُ، قَال قَتَادَةُ: قُلتُ لأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَال ثَلاثَ مِائَةٍ أو قريبا من ذلك) [1] .

قال ابن القيم: (الأسباب مظهر حكمته وحمده، وموضع تصرفه لخلقه وأمره فتقدير تعطيلها تعطيل للخلق والأمر، وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالا لها، واقتضاء هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها، فتعطيلها منها قدح في الحكمة وتفويت لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه، وأن الرب سبحانه قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطل النار التي ألقى فيها إبراهيم وجعلها عليه بردا وسلاما عن الإحراق لما في ذلك من المصالح العظيمة، وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود، وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب، فهكذا سائر أفعاله سبحانه مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء أنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها، ويقولون لا تعطيل في الطبيعة وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة، ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية، وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحالها) [2] .

ومن ثم فإن الإيمان بأن الله - عز وجل - هو الخلاق يقتضي الإيمان بشرع الله وقدره على

(1) البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام 3/ 1309 (3379) .

(2) طريق الهجرتين ص 257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت