فهرس الكتاب

الصفحة 651 من 673

رحمة منه وإحسانا وتفضلا وتكرما، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ولا ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه أو ينفعوه أو يدفعوا عنه قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:56/ 58] ، وقال جل شأنه وتقد اسمه ووصفه: {وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء:111] ، وهو - جل جلاله - لا يوالى من يواليه من الذل كما يوالى المخلوق المخلوق، وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم.

وأما العباد فإنهم كما قال - عز وجل: {وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد:38] ، فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك، وانتفاعه به عاجلا أو آجلا، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه؛ فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه، فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل فهو محتاج إلى ذلك الجزاء، أو معاوضة بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره.

وهو أيضا إنما يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير، وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى في الآخرة فهو أيضا محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير ملوم في هذا القصد، فإنه فقير محتاج وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه، وقال - عز وجل: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء:7] ، فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد انتفاعه بك، والرب سبحانه إنما يريد نفعك لا انتفاعه به، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد يكون فيه مضرة عليك ولو بتحمل منته، فإذا تدبر الموحد هذا فإن ذلك يمنعه أن يرجو مخلوقا أو يعامله دون الله - عز وجل - أو يطلب منه نفعا أو دفعا أو يعلق قلبه به، فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك، وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض، وهو حال الولد مع والده والزوج مع زوجه والمملوك مع سيده والشريك مع شريكه؛ فالسعيد من عاملهم لله - عز وجل - لا لهم، وأحسن إليهم لله - عز وجل -، وخاف الله - عز وجل - فيهم، ولم يخفهم مع الله، ورجا الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت