كانوا يصدقون خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في ذكر أسمائه وصفاته تصديقا جازما، وينفذون الأمر تنفيذا كاملا ولا يشركون بالله شيئا، ويعلمون أن الله ليس كمثله شيء فيما أخبرهم به عن نفسه، وهذا المبدأ أعني مبدأ تصديق الخبر وطاعة الأمر بعيدا عن الفلسفات العقلية والآراء الكلامية هو غاية من جاء بعدهم في مختلف العصور، مهما تنوعت كلماته أو بدت اعتقاداته في توحيد الله عز وجل، فتصديق الخبر هو توحيد الأسماء والصفات وإفراد الله بكمال الربوبية وتنفيذ الأمر هو توحيد القصد والطلب وإفراد الله بالعبودية، فالمسلم في القرون الفاضلة بقوله لا إله إلا الله عقد في نفسه عقدا أن يكون الله عز وجل هو المعبود الحق الذي يصدق في خبره دون تكذيب ويطاع في أمره دون عصيان، وهذه حقيقة مجمل الإيمان التي نزل بها القرآن وفهمها أصحاب اللسان، ومن ثم فإن أهل العلم السابقين الذين اجتهدوا في إحصاء الأسماء الحسنى وجمعها وتعريف الناس بها مهما كانت نتيجة أبحاثهم فهم أهل السبق والفضل، والمسلم لن يتأثر توحيده طالما أنه على الإيمان المجمل وأنه لو علم خبر الله سيصدقه تصديقا جازما، ولو علم أمره سينفذه تنفيذا كاملا، فدور أهل العلم في كل عصر ومصر أن يبنوا العلم للناس ويصدعوا به ولا يكتمونه خوفا من جائر أو اعتقاد دائر يفتقر إلى الدليل المبين منذ مئات السنين.
وقد ظهرت قضية أخرى لدى بعض الدعاة المحبين لمنهج السلف وطريقة المحدثين والذين ينقلون أغلب كلامهم في العقيدة عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية - وإن كان حبهما راسخ في قلبي رسوخ الجبال وأغلب ما في بحثي هو من بديع ما عندهما من الأقوال - لكنهم من شدة حبهم لهما يعتبرون كل ما ورد في كلامهما أمر مسلم لا يمكن تتبعه بالنظر والتعقيب، وأن من نقل عنهما في أي مرحلة من مراحل حياتهما فهو موفق مصيب، فلما نظر هؤلاء إلى بعض الأسماء المشهورة ووجدوها مذكورة في كلامهما كقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكذلك الأسماء التي فيها ذكر الشر لا تذكر إلا مقرونة كقولنا الضار النافع المعطي المانع المعز المذل أو مقيدة كقوله: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة:22] ) [1] ، وكقول العلامة ابن القيم: (وأيضا فإنه سبحانه له الأسماء الحسنى فمن أسمائه الغفور الرحيم العفو الحليم الخافض الرافع المعز
(1) الحسنة والسيئة ص 51، وانظر أيضا: مجموع الفتاوى 8/ 94، 22/ 482.