فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 673

لا معبود بحق سواه، وتسابق أقواله في شهادته ألا إله إلا الله، وأنه سبحانه المتوحد في أسمائه وأوصافه لا سمي له في علاه، فقد يكون العبد الموحد في ذروة غناه مبتلى بالمال فيما استخلفه الله واسترعاه؛ فيظهر بمظهر الفقر والتواضع لعلمه أن الله هو الغني المتوحد في غناه، وأن المال ماله وهو مستخلف عليه مخول فيه مبتلى به في هذه الحياة، فتجده يلين لإخوانه ولا يعرف بينهم بالغني من شدة توحيده وإيمانه.

ولو كان الموحد شريفا حسيبا عليا نسيبا بدت عليه بدعاء العبادة مظاهر الذل والافتقار، وخضع بجنانه وبنيانه وكيانه إلى الحسيب الجبار القهار المتعال، لعلمه أن المتوحد في الحسب والكبرياء وما تضمنته هذه الأسماء هو الله، وأن الحسيب لا يكون حسيا إذا عبد هواه أو تكبر واستعلى على خلق الله، فسلوكه سلوك المخلصين من العبيد، وأفعاله بدعاء العبادة تنطق بشهادة التوحيد، وسوف يأتي عن هذا الموضوع في الجزء الخامس المزيد والمزيد إن شاء الله.

وقد أفرد ابن القيم رحمه الله فصلا في بيان دعاء العبادة ودعاء المسألة، وبين أن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة، وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وكل من يملك الضر والنفع فإنه المعبود حقا، والمعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضرر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه مالا يملك ضرا ولا نفعا؛ لأن المعبود يدعى للنفع والضر دعاء مسألة، ويدعي خوفا ورجاء دعاء عبادة؛ فعلم أن النوعين متلازمان؛ فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة [1] ، وقد ذكر ابن القيم الأدلة القرآنية على هذين النوعين والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1 -ما ورد في قول الله عز وجل: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:55/ 56] ، فهاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء، دعاء العبادة، ودعاء المسألة، وقد نفى الله سبحانه عمن عبد من دونه إمكانية النفع والضر القاصر والمتعدي؛ فهم لا يملكونه لأنفسهم ولا لعابديهم قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا

(1) السابق 3/ 513 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت