ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل، تقول العرب التحد فلان إلى فلان إذا عدل إليه) [1] .
ويمكن القول على المعنى الظاهر في آية الأعراف أن الله عز وجل أمر بإخلاص الدعاء له بأسمائه الحسنى وأوصافه العليا، وأمر ألا يصرف شيء من ذلك إلى غيره وهو المعنى الظاهر للإلحاد فيها، فإن دعاء غير الله يستلزم وصفه بما لا يجوز إلا في حقه من أنواع الكمال التي تضمنتها الأسماء، فالذي يدعو غير الله من القباب والأوثان، ويطلب منه الرحمة والمدد والغفران، ويصرف إليه دعاء المسألة أو دعاء العبادة؛ فقد شبه المخلوق بالخالق، وسوى بينهما في صفات الكمال، ووقع في شرك الإلوهية؛ لأن دعاءهم يستلزم تشبيه من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا بمن كانت أزمة الأمور بيديه ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن [2] .
ومن ثم فإن صرف دعاء المسألة للأموات إلحاد في توحيد الأسماء والصفات من جهة، ومن جهة أخرى شرك ظاهر في العبادة، فالذي يستغيث ويطلب المدد من غير الله يثبت له بدلالة اللزوم صفة الحياة؛ لأنه لو اعتقد أنه ميت ما توجه إليه بالنداء والدعاء، ويثبت أيضا أنه يسمع ويبصر ويعلم ويقدر، ويثبت أيضا أنه قوي غنى، فالفقير الضعيف لا يدعى ولا يقصد، قال الله عز وجل: {ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلكُ وَالذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:13/ 14] ، فنفي الله عنهم أوصاف الكمال التي انفرد بها عمن سواه وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] ، فمن السميع لما ذهب هذا المشرك إلي أصم أبكم؟ ومن البصير لما استغاث بعاجز عم؟ ومن الغنى لما توجه إلي فقير معدم؟ ومن العلي القدير لما عكف على ضريح ميت ضعيف فقير؟ قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ
(1) بدائع الفوائد 1/ 179.
(2) إغاثة اللهفان 1/ 101، والفوائد ص28 بتصرف.