فهرس الكتاب
إلحادهم وشركهم به: {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلنَا إِلا المُجْرِمُونَ} [الشعراء:92/ 99] ، وقد بلغ من إلحاد المشركين القدماء أنهم اشتقوا من أسماء الله أسماء للأصنام، كما فعلوا في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله [1] .
ومن الإلحاد في الأسماء التشبه بالخالق فيما انفرد به من أوصاف الكمال كمن تعاظم وتكبر، ودعا الناس إلى إطرائه بالمدح والتعظيم، وتعليق القلوب به خوفًا ورجاءً، واستغاثة والتجاءً وغير ذلك من دعاء المسألة والعبادة، فهذا قد تشبه بالله وألحد في أسمائه ونازعه في ربوبيته، فالعبد إذا خلع عن نفسه رداء العبودية فإنه سينازع الله في أوصاف الربوبية، ويتشبه به في العلو والكبرياء، وعظمة الأوصاف والأسماء، روى أبو داود من حديث أبى هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَل: الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي شَيْئًا مِنْهُمَا أَلقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ) [2] ، وعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ) [3] .
ومن ثم فإن العبد لا يبلغ درجة التوحيد إلا إذا خلع عن نفسه رداء الربوبية واكتسي بثوب العبودية، واعتقد أنه عبد في ملك سيده، مستخلف في أرضه أمين على ملكه، مبتلى فيما خوله واسترعاه، وأنه سبحانه المتوحد في ملكه لا معبود بحق سواه؛ فيتوجه إليه بالمدح والثناء، والاستغاثة والدعاء.
وكذلك من الإلحاد في الأسماء والميل بها عما يجب لها التشبه به سبحانه في الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده، كملك الأملاك، وحاكم الحكام، ومن وصف نفسه بالمعالي والتعالي والسمو، وغير ذلك من المصطلحات التي لا تليق بمقام العبودية، وفي صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلى
(1) بدائع الفوائد لابن القيم 1/ 179 بتصرف.
(2) أبو داود في كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر 4/ 59 (4090) ، صحيح الجامع (4311) .
(3) مسلم في الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه 1/ 93 (91) .