ولهذا المعنى والله أعلم لم يجيء في الأسماء الحسنى المريد، كما جاء فيها السميع البصير، ولا المتكلم ولا الآمر الناهي لانقسام مسمى هذه الأسماء، بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها، ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه اسما مطلقا فأدخله في أسمائه الحسنى، فاشتق له اسم الماكر والخادع والفاتن والمضل والكاتب ونحوها من قوله: {وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال:30] ، ومن قوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ َ} [النساء:142] ، ومن قوله: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه:131] ، ومن قوله: {يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ} [الرعد:27] وقوله تعالى: {كَتبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ} [المجادلة:21] ) [1] ، ثم بين رحمه الله خطأهم في ذلك من عدة وجوه:
الأول: أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه الأسماء فإطلاقها عليه لا يجوز.
الثاني: أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الاسم عند الإطلاق.
الثالث: أن مسمى هذه الأسماء منقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به وإلى ما يذم فيحسن في موضع ويقبح في موضع، فيمتنع إطلاقه عليه سبحانه من غير تفصيل.
الرابع: أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي يسمى بها سبحانه كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف:180] ، وهي التي يحب سبحانه أن يثنى عليه ويحمد بها دون غيرها.
الخامس: أن هذا القائل لو سمي بهذه الأسماء، وقيل له: هذه مدحتك وثناء عليك فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعدها مدحة، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون به علوا كبيرا.
السادس: أن هذا القائل يلزمه أن يجعل من أسمائه اللاعن والجائي والآتي والذاهب
(1) انظر طريق الهجرتين 1/ 486، 1/ 487.