«وما كان حجر بن الحارث إلا ملكا عربيا حين سام بني أسد أن يستعبدهم بالعصا، وتوسل إليه شاعرهم عبيد بن الأبرص حيث يقول: أنت المملك فيهم وهم العبيد إلى القيامة ذلوا لسوطك مثلما ذل الأشيقر ذو الخزامة «وكان عمر بن هند ملكا عربيا حين عود الناس أن يخاطبهم من وراء ستار وحين استكثر على سادة القبائل أن تأنف أمهاتهم من خدمته في داره.
«وكان النعمان بن المنذر ملكا عربيا حين بلغ به العسف أن يتخذ لنفسه يوما للرضى يغدق فيه النعم على كل قادم إليه خبط عشواء ويوما للغضب يقتل فيه كل طالع عليه من الصباح إلى المساء.
«وقد قيل عن عزة كليب وائل: إنه سمي بذلك لأنه كان يرمي الكليب حيث يعجبه الصيد، فلا يجسر أحد على الدنو من مكان يسمع فيه نباحه. وقيل: «لا حر بوادي عوف» لأنه من عزته كان لا يأوي بواديه من يملك حرية في جواره. فكلهم أحرار في حكم العبيد .. » [1]
وكان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في التقاليد والعادات والأخلاق والصلات الاجتماعية .. كان قد التقطهم من سفح البنت الموءودة، والمرأة المنكودة، والخمر والقمار والعلاقات الجنسية الفوضوية، والتبرج والاختلاط مع احتقار المرأة ومهانتها، والثارات والغارات والنهب والسلب، مع تفرق الكلمة وضعف الحيلة أمام أي هجوم خارجي جدي، كالذي حدث في عام الفيل من هجوم الأحباش على الكعبة، وتخاذل وخذلان القبائل كلها، هذه القبائل التي كان بأسها بينها شديدا!
وكان الإسلام قد أنشأ منهم أمة تطل من القمة السامقة على البشرية كلها في السفح، في كل جانب من جوانب الحياة. في جيل واحد. عرف السفح وعرف القمة. عرف الجاهلية وعرف الإسلام. ومن ثم كانوا يتذوقون ويدركون معنى قول اللّه لهم: «الْيوْم أكْملْت لكمْ دينكمْ، وأتْممْت عليْكمْ نعْمتي، ورضيت لكم الْإسْلام دينًا» ..
(1) - من كتاب: «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» للأستاذ العقاد ص 150 ص 151 (السيد رحمه الله)