ولعل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - شاء أن يشعر المسلمين، وأن يشعر الدنيا كلها من ورائهم، بقيام هذه الحقيقة الجديدة التي وجدت في هذه الأرض .. حقيقة أن هناك عقيدة هي كل شيء في نفوس أصحابها.
ليس لهم من أرب في الدنيا غيرها، وليس لهم من غاية في حياتهم سواها. عقيدة يعيشون لها وحدها، فلا يبقى لهم في أنفسهم شيء بعدها، ولا يستبقون هم لأنفسهم بقية في أنفسهم لا يبذلونها لها، ولا يقدمونها فداها ..
لقد كان هذا أمرا جديدا في هذه الأرض في ذلك الحين. ولم يكن بد أن تشعر الأرض كلها - بعد أن يشعر المؤمنون - بقيام هذا الأمر الجديد، وبوجود هذه الحقيقة الكبيرة. ولم يكن أقوى في التعبير عن ميلاد هذه الحقيقة من خروج هؤلاء الذين استجابوا للّه والرسول من بعد ما أصابهم القرح. ومن خروجهم بهذه الصورة الناصعة الرائعة الهائلة: صورة التوكل على اللّه وحده وعدم المبالاة بمقالة الناس وتخويفهم لهم من جمع قريش لهم - كما أبلغهم رسل أبي سفيان - وكما هوّل المنافقون في أمر قريش وهو ما لا بد أن يفعلوا: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» .. هذه الصورة الرائعة الهائلة كانت إعلانا قويا عن ميلاد هذه الحقيقة الكبيرة. وكان هذا بعض ما تشير إليه الخطة النبوية الحكيمة [1] .
ـــــــــــــ
قال تعالى: (قُلْ لِلّذِين كفرُوا ستُغْلبُون وتُحْشرُون إِلى جهنّم وبِئْس الْمِهادُ) (آل عمران:12) قُلْ يا مُحمّدُ لِلْكافِرين - وهُمْ هُنا اليهُودُ:إنّهُمْ سيُغْلبُون فِي الدُّنيا ويُحْشرون يوْم القِيامةِ، ويُساقُون إلى جهنّم، لِتكُون لهُمْ مهْدًا وفِراشًا، وبِئْس المهْدُ والفِراشُ. (هذِهِ الآيةُ نزلتْ فِي يهُودِ بني قيْنُقاع. فبعْد أنْ نصر اللهُ المُسْلِمِين يوْم بدْرٍ، جمع الرّسُولِ صلى الله عليه وسلم يهُود
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:831)