يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة. وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة .. إن وعد اللّه بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج اللّه، قائم في كل لحظة. ووعد اللّه بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة. وتوقف النصر على تأييد اللّه الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف. وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة وتثق في ذلك الوعد وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة وتصبر حتى يأذن اللّه ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم اللّه، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة.
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» .. ولا بد من بصر ينظر وبصيرة تتدبر، لتبرز العبرة، وتعيها القلوب. وإلا فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار!. [1]
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) } [الأنفال:36،37]
لمّا أصيبتْ قريْش يوْم بدْرٍ، وقتل قادة الشّرْك وزعماؤه، رجع أبو سفْيان بالعير إلى مكّة، وهي العير التي أنْقذتْها معْركة بدْرٍ، فمشى أبْناء منْ قتلوا في بدْرٍ وإخْوتهمْ وأقْرباؤهمْ إلى أبي سفْيان، ومنْ كانتْ لهمْ في العير تجارةٌ، فقالوا: يا معْشر قريْشٍ، إنّ محمّدًا قدْ وتركمْ فأعينونا بهذا المال على حرْبه لعلّنا ندْرك منْه ثأْرًا، بمنْ أصيب منّا. فأنْزل الله تعالى هذه الآية.
وفي هذه الآية يقول تعالى: إنّ إنْفاقكمْ المال في سبيل قتال المسْلمين، والصّدّ عنْ سبيل الله، ومنْع النّاس من الدّخول في الإسْلام لنْ يكون عليْكمْ إلاّ حسْرةً، ولنْ يجْديكمْ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:635)