وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ، اخْتِلاَفُهُمْ فِي حُكْمِ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ أَهْل دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ الْمُسْلِمُونَ، فَمَنْ رَأَى أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ: يَرَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَهُ مَالِكُهُ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ قَبْل الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِدُونِ رَدِّ قِيمَتِهِ، أَمَّا إِذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَهُ: يَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا وَجَدَ مَالَهُ فِي الْغَنِيمَةِ أَخَذَهُ قَبْل الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِلاَ رَدِّ شَيْءٍ. [1]
إِذَا دَخَل مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، وَأَخَذَ مَالًا مِنْ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُضَارَبَةً، أَوْ وَدِيعَةً، أَوْ بِشِرَاءٍ أَوْ بِبَيْعٍ فِي الذِّمَّةِ أَوْ قَرْضٍ، فَالثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ، عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَإِذَا خَرَجَ الْحَرْبِيُّ إِلَى دَارِ الإِسْلاَمِ مُسْتَأْمَنًا قَضَى الْقَاضِي عَلَى الْمُسْلِمِ بِمَالِهِ كَمَا يَقْضِي بِهِ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ جَارٍ عَلَى الْمُسْلِمِ حَيْثُ كَانَ، لاَ نُزِيل الْحَقَّ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ. كَمَا لاَ تَزُول الصَّلاَةُ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ إِنِ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ مَالًا ثُمَّ دَخَل إِلَيْنَا فَأَسْلَمَ، فَعَلَيْهِ الْبَدَل وَيُقْضَى عَلَيْهِ لاِلْتِزَامِهِ بِعَقْدٍ [2] .
أَمَّا إِنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَالَهُ أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَدِمَا إِلَيْنَا بِإِسْلاَمٍ، أَوْ أَمَانٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا، وَالإِتْلاَفُ لَيْسَ عَقْدًا يُسْتَدَامُ، وَلِأَنَّ مَال الْحَرْبِيِّ لاَ يَزِيدُ عَلَى مَال الْمُسْلِمِ، وَهُوَ لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْحَرْبِيِّ، وَمُقَابِل الأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَضْمَنَ. [3]
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَيْسَ لِلْقَاضِي الْمُسْلِمِ الْقَضَاءُ مِنْ حَرْبِيَّيْنِ إِذَا خَرَجَا إِلَيْنَا مُسْتَأْمَنَيْنِ، لِأَنَّ الْمُدَايَنَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَعَتْ هَدَرًا لاِنْعِدَامِ وِلاَيَتِنَا عَلَيْهِمْ. أَمَّا لَوْ خَرَجَا إِلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهُمَا لِثُبُوتِ الْوِلاَيَةِ، أَمَّا فِي الْغَصْبِ وَالإِتْلاَفِ فَلاَ يَقْضِي، وَإِنْ خَرَجَا إِلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ. [4]
(1) - المصادر السابقة، الأم للشافعي 4/ 283.
(2) - الأم للشافعي 4/ 288، كشاف القناع 3/ 109، مغني المحتاج 4/ 230.
(3) - مغني المحتاج 4/ 230، والمغني 8/ 483 ط الرياض.
(4) - بدائع الصنائع 7/ 132 - 133.