الواقعية، والامتحان العملي. وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء، ثم الصبر على تكاليف الجهاد، وعلى معاناة البلاء.
وفي النص القرآني لفتة ذات مغزى: «وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ» .. «وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» .. فلا يكفي أن يجاهد المؤمنون. إنما هو الصبر على تكاليف هذه الدعوة أيضا. التكاليف المستمرة المتنوعة التي لا تقف عند الجهاد في الميدان. فربما كان الجهاد في الميدان أخف تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر، ويختبر بها الإيمان. إنما هنالك المعاناة اليومية التي لا تنتهي: معاناة الاستقامة على أفق الإيمان. والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك، والصبر في أثناء ذلك على الضعف الإنساني: في النفس وفي الغير، ممن يتعامل معهم المؤمن في حياته اليومية. والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر! والصبر على طول الطريق وبعد الشقة وكثرة العقبات. والصبر على وسوسة الراحة وهفوة النفس لها في زحمة الجهد والكرب والنضال. والصبر على أشياء كثيرة ليس الجهاد في الميدان إلا واحدا منها، في الطريق المحفوف بالمكاره. طريق الجنة التي لا تنال بالأمانيّ وبكلمات اللسان! [1]
وقال تعالى: {أمْ حسبْتمْ أن تتْركواْ ولمّا يعْلم اللّه الّذين جاهدواْ منكمْ ولمْ يتّخذواْ من دون اللّه ولا رسوله ولا الْمؤْمنين وليجةً واللّه خبيرٌ بما تعْملون} (16) سورة التوبة
أظننْتمْ أنْ يتْرككم الله مهْملين، لا يخْتبركمْ بأمورٍ تظْهر فيكم الصّادق من الكاذب، ليعْلم الذين يجاهدون في سبيله، ويخْلصون في جهادهمْ ونصْحهمْ، لله وللرّسول وللمؤْمنين، ويكون ظاهرهمْ كباطنهمْ، في الإخْلاص لله وللرّسول، وليْس لهمْ بطانةٌ من المشْركين، ولا روابط مع المشْركين، ولا يسرّون إليْهمْ بأسْرار المسْلمين وخططهمْ، والله محيطٌ بكلّ شيءٍ علْمًا.
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:784)