وَحُكِيَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَنْبِذُ عَقْدَ الْهُدْنَةِ كَمَا لاَ يَنْبِذُ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِالتُّهْمَةِ [1] .
مِنْ مُوجِبَاتِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ الْمُجَامَلَةُ فِي الأَْقْوَال وَالأَْفْعَال، فَهِيَ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَغْلَظُ مِنْهَا فِي حُقُوقِ الْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ، فَيَلْزَمُهُمْ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ مِنَ الْقَوْل وَالْفِعْل وَيَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيل فِي الْقَوْل وَالْفِعْل، وَلَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل.
وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيل فِي الْقَوْل وَالْفِعْل لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33] ،فَإِنْ عَدَل الْكُفَّارُ الْمُهَادِنُونَ عَنِ الْجَمِيل فِي الْقَوْل وَالْفِعْل، فَكَانُوا يُكْرِمُونَ الْمُسْلِمِينَ فَصَارُوا يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ، وَكَانُوا يُضَيِّفُونَ الرُّسُل وَيَصِلُونَهُمْ فَصَارُوا يَقْطَعُونَهُمْ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ كِتَابَ الإِْمَامِ فَصَارُوا يَطْرَحُونَهُ، وَكَانُوا يَزِيدُونَهُ فِي الْخِطَابِ فَصَارُوا يَنْقُصُونَهُ، فَهَذِهِ رِيبَةٌ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ شَكَّيْنِ؛ لأَِنَّهَا تَحْتَمِل أَنْ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَ الْهُدْنَةِ، وَتَحْتَمِل أَنْ لاَ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَهَا، فَيَسْأَلُهُمُ الإِْمَامُ عَنْهَا وَعَنِ السَّبَبِ فِيهَا، فَإِنْ ذَكَرُوا عُذْرًا يَجُوزُ مِثْلُهُ قَبِلَهُ مِنْهُمْ وَكَانُوا عَلَى هُدْنَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا عُذْرًا أَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى عَادَتِهِمْ مِنَ الْمُجَامَلَةِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَإِنْ عَادُوا أَقَامَ عَلَى هُدْنَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعُودُوا نَقَضَهَا بَعْدَ إِعْلاَمِهِمْ بِنَقْضِهَا [2] .
ذِكْرُهُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِسُوءٍ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ هَذَا السَّبِّ عَلَى عَقْدِ الْهُدْنَةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ مِمَّا يَنْتَقِضُ بِهِ الْعَهْدُ هُوَ سَبُّهُمُ اللَّهَ تَعَالَى أَوِ الْقُرْآنَ أَوِ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم أَوْ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَنَا [3] .
(1) - رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10/ 338.
(2) - الْحَاوِي للمارودي 18/ 444.
(3) - شَرْح الزُّرْقَانِيّ 3/ 147، وجواهر الأكليل 1/ 269، وتحفة الْمُحْتَاج 9/ 302، ومغني الْمُحْتَاج 4/ 264، ومطالب أُولِي النُّهَى 2/ 622.