والسياق هنا يلتفت من الخطاب إلى الحكاية .. يخاطب بني إسرائيل بما كان منهم، ويلتفت إلى المؤمنين - وإلى الناس جميعا - فيطلعهم على ما كان منهم .. ثم يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يجبههم بالترذيل والتبشيع لهذا اللون من الإيمان العجيب الذي يدعونه إن كان يأمرهم بكل هذا الكفر الصريح: «قلْ: بئْسما يأْمركمْ به إيمانكمْ إنْ كنْتمْ مؤْمنين!» ..
ونقف هنا لحظة أمام التعبيرين المصورين العجيبين: «قالوا: سمعْنا وعصيْنا» .. «وأشْربوا في قلوبهم الْعجْل بكفْرهمْ» .. إنهم قالوا: سمعنا. ولم يقولوا عصينا. ففيم إذن حكاية هذا القول عنهم هنا؟ إنه التصوير الحي للواقع الصامت كأنه واقع ناطق، لقد قالوا بأفواههم: سمعنا. وقالوا بأعمالهم: عصينا. والواقع العملي هو الذي يمنح القول الشفوي دلالته. وهذه الدلالة أقوى من القول المنطوق .. وهذا التصوير الحي للواقع يومىء إلى مبدأ كلي من مبادئ الإسلام: إنه لا قيمة لقول بلا عمل. إن العمل هو المعتبر. أو هي الوحدة بين الكلمة المنطوقة والحركة الواقعة، وهي مناط الحكم والتقدير.
فأما الصورة الغليظة التي ترسمها: «وأشْربوا في قلوبهم الْعجْل» فهي صورة فريدة. لقد أشربوا، أشربوا بفعل فاعل سواهم. أشربوا ماذا؟ أشربوا العجل! وأين أشربوه؟ أشربوه في قلوبهم! ويظل الخيال يتمثل تلك المحاولة العنيفة الغليظة، وتلك الصورة الساخرة الهازئة: صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا، ويحشر فيها حشرا، حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت هذه الصورة المجسمة لتؤديه، وهو حبهم الشديد لعبادة العجل، حتى لكأنهم أشربوه إشرابا في القلوب! هنا تبدو قيمة التعبير القرآني المصور، بالقياس إلى التعبير الذهني المفسر .. إنه التصوير .. السمة البارزة في التعبير القرآني الجميل. [1]
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {أمْ يحْسدون النّاس على ما آتاهم اللّه من فضْله فقدْ آتيْنآ آل إبْراهيم الْكتاب والْحكْمة وآتيْناهم مّلْكًا عظيمًا} (54) سورة النساء
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:290)