وَأَمَّا إِتْلاَفُ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ إِلاَّ لِمُغَايَظَةِ الْكُفَّارِ وَالإِضْرَارِ بِهِمْ وَالإِفْسَادِ عَلَيْهِمْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ فِي الأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ: إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر:5] .وقَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة:120] ،لَكِنْ قَال ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَأْخُوذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ، وَأَنَّ الْفَتْحَ بَادٍ (أَيْ ظَاهِرٌ قَرِيبٌ) كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَل الْحَاجَةِ، وَمَا أُبِيحَ إِلاَّ لَهَا.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ وَالأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِتْلاَفٌ مَحْضٌ. [1]
عَمَل مَا يَنْفَعُ أَهْل الْحَرْبِ وَيُقَوِّيهِمْ:
هُنَاكَ اتِّجَاهَانِ فِي الْوَصِيَّةِ لِأَهْل الْحَرْبِ:
الاِتِّجَاهُ الأَوَّل: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ إِذَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قُوَّةً لَهُمْ، فَالتَّبَرُّعُ بِتَمْلِيكِهِ الْمَال، يَكُونُ إِعَانَةً لَهُ عَلَى الْحَرْبِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:9] .
فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَاتَلَنَا لاَ يَحِل بِرُّهُ، وَهَذَا اتِّجَاهُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ [2] .
(1) - المغني 8/ 451 - 455 ط الرياض، وفتح القدير 4/ 286 ط بولاق، والشرح الكبير مع الدسوقي 2/ 177، والتاج والإكليل 3/ 355، والشرح الصغير 2/ 281، وبداية المجتهد 1/ 307، والأم 4/ 287، ط الأزهرية، والمهذب 2/ 251، ومغني المحتاج 4/ 223، و 226 - 227، والأحكام السلطانية للماوردي ص 49، وجامع الترمذي بشرح ابن العربي 7/ 40، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 33 وما بعدها.
(2) - البدائع 7/ 341، التاج والإكليل مع مواهب الجليل 6/ 24.