اللّه عظيم في كلتا الحالتين: سواء من يقتل في سبيل اللّه ومن يغلب في سبيل اللّه أيضا: «وَمَنْ يُقاتِلْ - فِي سَبِيلِ اللَّهِ - فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» .
بهذه اللمسة يتجه المنهج القرآني إلى رفع هذه النفوس وإلى تعليقها بالرجاء في فضل اللّه العظيم، في كلتا الحالتين. وأن يهوّن عليها ما تخشاه من القتل، وما ترجوه من الغنيمة كذلك! فالحياة أو الغنيمة لا تساوي شيئا إلى جانب الفضل العظيم من اللّه. كما يتجه إلى تنفيرها من الصفقة الخاسرة إذا هي اشترت الدنيا بالآخرة ولم تشتر الآخرة بالدنيا (ولفظ يشري من ألفاظ الضد فهي غالبا بمعنى يبيع) فهي خاسرة سواء غنموا أو لم يغنموا في معارك الأرض. وأين الدنيا من الآخرة؟ وأين غنيمة المال من فضل اللّه؟ وهو يحتوي المال - فيما يحتويه - ويحتوي سواه؟! [1]
وقال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) } [التوبة:51،52]
قُلْ يا أيُّها الرّسُولُ لِهؤُلاءِ الذِين يفْرحُون بِما يُصِيبُ المُسْلِمِين مِن المصائِبِ، وتسُوؤُهُم النِّعْمةُ الّتِي تُصْيبُ المُسْلِمِين: نحْنُ تحْت مشِيئةِ اللهِ وقدرِهِ، وما قدّرهُ لنا سيأْتِينا، وليْس لهُ مانِعٌ ولا دافِعٌ. ونحْنُ مُتوكّلُون على اللهِ، وهُو حسْبُنا ونِعْم الوكِيلُ، فلا نيْأسُ عِنْد الشِّدّةِ، ولا نبْطرُ عِنْد النِّعْمةِ.
وقُلْ يا مُحمّدُ: هلْ تتربّصُون بِنا، وتنْتظِرُون أنْ يقع لنا، إِلاّ واحِدةٌ مِنِ اثْنتيْنِ: وكِلْتاهُما خيْرٌ لنا وفِيهِما حسنةٌ: شهادةٌ فِي سبِيلِ اللهِ أوْ ظفْرٌ. أمّا نحْنُ فإِنّنا ننْتظِرُ أنْ ينْزِل بِكُمْ عذابُ اللهِ، أوْ أنْ يُسلِّطنا عليْكُمْ ربُّكُمْ فنُذِيقكُمْ بأْسنا. [2] .
ـــــــــــــ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:1057)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1287، بترقيم الشاملة آليا)