الاطلاع على أحوال المسلمين قوةً وضعفًا ليبينوا خططهم ويعدوا عددهم على ضوء معلومات دقيقة يستطيعون بها إنزال الضرر بالمسلمين والانتصار عليهم.
والذي يظهر أن الراجح ما قاله الإمام مالك رحمه الله وهو أن يترك حكمه لاجتهاد الإمام، فإن رأى أن في قتله مصلحة قتله وإن رأى أن المصلحة في تعزريه عزره بما يراه.
قال القرطبي:"اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُ تِلْكَ قُتِلَ، لِأَنَّهُ جَاسُوسٌ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ بِقَتْلِ الْجَاسُوسِ- وَهُوَ صَحِيحٌ لِإِضْرَارِهِ بِالْمُسْلِمِينَ وَسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَلَعَلَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ إِنَّمَا اتَّخَذَ التَّكْرَارَ فِي هَذَا لِأَنَّ حَاطِبًا أُخِذَ فِي أَوَّلِ فِعْلِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسَةُ- فَإِنْ كَانَ الْجَاسُوسُ كَافِرًا فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَكُونُ نَقْضًا لِعَهْدِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ: الْجَاسُوسُ الحربي يُقْتَلُ، وَالْجَاسُوسُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ يُعَاقَبَانِ إِلَّا إِنْ تَظَاهَرَا عَلَى الْإِسْلَامِ فَيُقْتَلَانِ." [1]
عن إِيَاسَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:"نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلًا فَجَاءَ عَيْنُ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ يَتَصَبَّحُونَ، فَدَعَوْهُ إِلَى طَعَامِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغَ الرَّجُلُ رَكِبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ذَهَبَ مُسْرِعًا لِيُنْذِرَ أَصْحَابَهُ، قَالَ سَلَمَةُ: فَأَدْرَكْتُهُ، فَأَنَخْتُ رَاحِلَتَهُ وَضَرَبْتُ عُنُقَهُ فَغَنَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَلَبَهُ" [2] .
وعَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اطْلُبُوهُ، وَاقْتُلُوهُ» .فَقَتَلَهُ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ" [3] "
وعَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَازِلٌ فَلَمَّا طَعِمَ انْسَلَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيَّ الرَّجُلُ اقْتُلُوهُ فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ»
(1) - تفسير القرطبي (18/ 53) وقد فصلت القول في ذلك بكتابي"الخلاصة في أحكام التجسس"
(2) - مسند أحمد ط الرسالة (27/ 50) (16519) صحيح
(3) - صحيح البخاري (4/ 69) (3051)
[ش (عين) جاسوس. (انفتل) انصرف. (فقتله) أي سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. (فنفله) أعطاه والنفل ما يشترطه الإمام لمن يقوم بعمل ذي خطر. (سلبه) هو كل ما يكون مع المقتول من مركب أو سلاح أو متاع]