وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) [التوبة،وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال:61] ،وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم هَادَنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَهُمْ أَهْل كِتَابٍ، وَهَادَنَ قُرَيْشًا وَقَبَائِل عَرَبِيَّةً أُخْرَى وَكَانَ عَامَّتُهُمْ وَثَنِيِّينَ [1] .
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى جَوَازِ مُوَادَعَةِ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا غَلَبُوا عَلَى دَارٍ مِنْ دُورِ الإِْسْلاَمِ وَصَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ، وَخِيفَ مِنْهُمْ وَلَمْ تُؤْمَنْ غَائِلَتُهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ دَفْعِ الشَّرِّ لِلْحَال، وَرَجَاءَ رُجُوعِهِمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ وَتَوْبَتِهِمْ، وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَالٌ، لأَِنَّ الْمَال الْمَأْخُوذَ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال يَكُونُ فِي مَعْنَى الْجِزْيَةِ، وَلاَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ إِلاَّ مِنْ كَافِرٍ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَسْتَوْلُوا عَلَى بَلْدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِيَانٌ فَلاَ يُعْقَدُ لَهُمْ هُدْنَةٌ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ تَقْرِيرَ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى الرِّدَّةِ [2] .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَإِنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ جَمَاعَةٌ بَعْدَ تَقَرُّرِ إِسْلاَمِهِمْ وَحَارَبُوا بَعْدَ ارْتِدَادِهِمُ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَدَرْنَا عَلَيْهِمْ فَكَالْمُرْتَدِّينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الأَْصْلِيِّينَ؛ فَيُحْكَمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لاَ بِحُكْمِ الْكُفَّارِ النَّاقِضِينَ لِلْعَهْدِ [3] .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا انْحَازُوا إِلَى دَارٍ يَنْفَرِدُونَ بِهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَصِيرُوا فِيهَا مُمْتَنِعِينَ يَجِبُ قِتَالُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ مُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَإِيضَاحِ دَلاَئِلِهِ، وَيَجْرِي عَلَى قِتَالِهِمْ بَعْدَ الإِْنْذَارِ وَالإِْعْذَارِ حُكْمُ قِتَال أَهْل الْحَرْبِ [4] .
(1) - مُغْنِي الْمُحْتَاج 4/ 260، وكشاف الْقِنَاع 3/ 111، وجواهر الإِْكْلِيل 1/ 269، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 2/ 196 - 197.
(2) - بَدَائِع الصَّنَائِع 7/ 109، وفتح الْقَدِير 5/ 207.
(3) - جَوَاهِر الإِْكْلِيل 1/ 269، ومواهب الْجَلِيل 3/ 1 38 - 386.
(4) - الأَْحْكَام السُّلْطَانِيَّة للماوردي ص 56، والحاوي 16/ 425، وكشاف الْقِنَاع 6/ 183، والأحكام السُّلْطَانِيَّة لأَِبِي يُعْلَى ص 52.