فهرس الكتاب

الصفحة 1000 من 3472

[الشورى:40] وَقَوْلِهِ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْجَزَاءُ اعْتِدَاءً وَلَا سَيِّئَةً. [1]

وقال أيضا:"بَابُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ"

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ مَعَ إظْهَارِهِمْ الْإِيمَانَ بِالنُّشُورِ وَالْبَعْثِ، وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْرِي حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ مِنْ تَخْلِيدِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي النَّارِ، وَتَخْلِيدِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ، فَلَمَّا كَانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِيهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمُرَادُهُ حُكْمُ يَوْمِ الْآخِرِ، وَقَضَاؤُهُ فِيهِ، كَمَا تَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ، وَالْمُرَادُ بِنُبُوَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم. وَقِيلَ: فِيهِ إنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يُقِرُّ بِهِ فِي عِظَمِ الْجُرْمِ، كَمَا إنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِكُفْرِهِمْ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ. وَقِيلَ: أَيْضًا: لَمَّا كَانَ إقْرَارُهُمْ عَنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيمَانًا، وَأَكْثَرُهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وقَوْله تَعَالَى: {وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} فَإِنَّ دِينَ الْحَقِّ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} [آل عمران:19] وَهُوَ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ، وَالْعَمَلُ بِهِ، وَالدِّينُ يَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا الطَّاعَةُ، وَمِنْهَا الْقَهْرُ، وَمِنْهَا الْجَزَاءُ; قَالَ الْأَعْشَى:

هُوَ دَانَ الرَّبَابَ اذ كرهوا الدين ... دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ

يَعْنِي: قَهَرَ الرَّبَابَ إذْ كَرِهُوا طَاعَتَهُ وَأَبَوْا الِانْقِيَادَ لَهُ. وقَوْله تَعَالَى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4] قِيلَ: إنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ، وَمِنْهُ: كَمَا تدين تدان.

وَدِينُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى غَيْرُ دِينِ الْحَقِّ; لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُنْقَادِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَلَا طَائِعِينَ لَهُ لِجُحُودِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم.فَإِنْ قِيلَ: فَهُمْ يَدِينُونَ بِدِينِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَيَعْتَرِفُونَ بِهِ مُنْقَادِينَ لَهُ. قِيلَ: لَهُ: فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ذُكِرَ نَبِيُّنَا، وَأُمِرْنَا بِالْإِيمَانِ وَاتِّبَاعِ شَرَائِعِهِ، وَهُمْ غَيْرُ

(1) - أحكام القرآن للجصاص ط العلمية (1/ 311)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت