ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْهِجْرَةِ فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ إِظْهَارَ دِينِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ - إِلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شُرُوطِ السَّفَرِ فِي حَقِّهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي [1] .
قَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْهَا مَعَ رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهَا وَكَانَ يَحْصُل بِكُلٍّ مِنْ بَقَائِهَا وَخُرُوجِهَا ضَرَرٌ فَإِنْ خَفَّ أَحَدُهُمَا ارْتَكَبَتْهُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا خُيِّرَتْ [2] .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إِظْهَارَ دِينِهِ وَخَافَ فِتْنَةً فِيهِ، إِنْ أَطَاقَهَا، وَيُعَدُّ عَاصِيًا بِإِقَامَتِهِ، وَلَوْ أُنْثَى لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا مَعَ أَمْنِهَا عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ كَانَ خَوْفُ الطَّرِيقِ أَقَل مِنْ خَوْفِ الإِْقَامَةِ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهَا مِمَّنْ لاَ يَسْتَطِيعُ إِظْهَارَ دِينِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ: مَنْ فِي إِقَامَتِهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَتَجُوزُ لَهُ الإِْقَامَةُ فِيهَا. قَال الرَّمْلِيُّ: بَل تُرَجَّحُ عَلَى الْهِجْرَةِ [3] ،أَخْذًا مِمَّا جَاءَ أَنَّ الْعَبَّاسَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْلَمَ قَبْل بَدْرٍ، وَاسْتَمَرَّ مُخْفِيًا إِسْلاَمَهُ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ، يَكْتُبُ بِأَخْبَارِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ
(1) - نِهَايَة الْمُحْتَاجِ 8/ 78، وكفاية الطَّالِب الرَّبَّانِيّ مَعَ حَاشِيَةِ الْعَدَوِيّ 2/ 450، والزرقاني 2/ 237، والمبدع 3/ 314
(2) - شَرح الزُّرْقَانِيّ 2/ 237
(3) - تُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الشرواني عَلَيْهِ 9/ 269 وَمَا بَعْدَهَا، وأسنى الْمَطَالِب وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ 4/ 204، ونهاية المحتاج 8/ 78