يَقُولُ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249] وَلِذَلِكَ صَبَرَ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَاتَلُوا حَتَّى أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ. [1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قِصَّةَ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ وَفِيهَا أَنَّ الْغُلَامَ أَمَرَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ ظُهُورِ الدِّينِ، وَلِهَذَا جَوَّزَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ أَنْ يَنْغَمِسَ الْمُسْلِمُ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَفْعَلُ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْجِهَادِ مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ نَفْسَهُ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِهِ لِغَيْرِهِ كَانَ مَا يُفْضِي إلَى قَتْلِ غَيْرِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ وَدَفْعِ ضَرَرِ الْعَدُوِّ الْمُفْسِدِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، الَّذِي لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِذَلِكَ أَوْلَى [2] .
تبين لنا من أقوال العلماء في مسألة الاقتحام على العدو منفردًا تعليقهم المسألة بغلبة الظن، أي أن من غلب على ظنه أنه يقتل في هذا الاقتحام، أخذ حكم من سيقتل قطعًا، فمن أجاز الاقتحام مع غلبة الظن كمن أجاز الاقتحام مع اليقين الجازم بالقتل.
وأيضًا فإن جمهور العلماء علقوا جواز الاقتحام بشروط:
الأولى: الإخلاص
والثاني وجود النكاية بالعدو
الثالث: إرهابهم
الرابع: تقوية قلوب المسلمين.
وأجاز القرطبي وابن قدامة الاقتحام بنية خالصة طلبًا للشهادة فقط، لأن طلب الشهادة أمر مشروع، وللمجاهد فيه غرض، وبما أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يشترطوا ما اشترطه
(1) - المغني لابن قدامة (9/ 319)
(2) - الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 554) ومجموع الفتاوى (28/ 540)