فِي فَجْرِ الدَّمِ وَدَمًا يَكُونُ مَفْعُولًا، وَلَوْ أَرَادَ بِهِ التَّمْيِيزَ لَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: يَنْثَعِبُ دَمًا، أَوْ يُثْعَبُ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَلَمْ أَجِدْهُ رِوَايَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَجِيئُهُ مُتَعَدِّيًا نُقِلَ عَنِ الْجَوْهَرِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَازِمٌ حَيْثُ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ يَجْرِي، وَلِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَجُرْحُهُ يَشْخُبُ دَمًا، وَالشَّخْبُ السَّيَلَانُ، وَقَدْ شَخَبَ يَشْخُبُ وَيَشْخَبُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [التوبة:92] فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الدَّمْعَ يَفِيضُ مِنَ الْعَيْنِ، فَجَعَلَ الْعَيْنَ فَائِضَةً مُبَالَغَةً، وَكَذَلِكَ الدَّمُ السَّائِلُ مِنَ الْجُرْحِ لَا الْجُرْحُ سَائِلٌ اه. وَيُؤَيِّدُ الشَّيْخَ مَا فِي الْقَامُوسِ: ثَعَبَ الْمَاءَ وَالدَّمَ ; أَيْ كَمَنَعَ فَجَّرَهُ فَانْثَعَبَ، لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ التَّاجِ أَنَّهُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، كَذَا فِي دُسْتُورِ اللُّغَةِ: ثَعَبَ الدَّمُ ; أَيْ سَالَ وَأَسَالَ، وَفِي الْمَشَارِقِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ: ثَعَبَ تَفَجَّرَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَثْعَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ، وَكَأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَجِيئِهِ لَازِمًا، وَأَمَّا حَدِيثُ يَشْخَبُ فَغَيْرُ حُجَّةٍ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى. [1]
وَلِهَذَا لَا يُنْزَعُ عَنْهُ جَمِيعُ ثِيَابِهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ حِينَ اُسْتُشْهِدَ، وَلَكِنْ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ لِأَنَّهُ كَانَ لَبِسَهُ لِدَفْعِ الْبَأْسِ فَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ دَفْنَ الْقَتْلَى مَعَ الْأَسْلِحَةِ فِعْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. وَكَذَلِكَ مَا لُبِسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ كَالسَّرَاوِيلِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْمِنْطَقَةِ وَالْخَاتَمِ وَالْخُفِّ. هَكَذَا ذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ. [2]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا» [3]
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، (حديث ابن مسعود) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَكَأَنَّهُ فِي قَوْمٍ مِنْهُمْ، وَالْحَدِيثُ
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2462)
(2) - شرح السير الكبير (ص:232)
(3) - صحيح ابن حبان - مخرجا (10/ 515) (4658) صحيح