الأَوَّل: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِعَامِل الْجِزْيَةِ أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا بِأَهْل الذِّمَّةِ عِنْدَ اسْتِيفَائِهِ لِلْجِزْيَةِ: بِأَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُمْ بِتَلَطُّفٍ دُونَ تَعْذِيبٍ أَوْ ضَرْبٍ، وَأَنْ يُؤَخِّرَهُمْ إِلَى غَلاَّتِهِمْ، وَأَنْ يُقَسِّطَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَقْبَل مِنْهُمُ الْقِيمَةَ بَدَلًا مِنَ الْعَيْنِ. وَالصَّغَارُ فِي قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] مَعْنَاهُ عِنْدَهُمُ الْتِزَامُ أَحْكَامِ الإِسْلاَمِ [1] .
وَالاِتِّجَاهُ الآْخَرُ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُسْتَوْفَى مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ بِإِهَانَةٍ وَإِذْلاَلٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] . [2]
لاَ يَتَعَيَّنُ فِي اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ ذَهَبٌ وَلاَ فِضَّةٌ وَلاَ نَوْعٌ بِعَيْنِهِ، بَل يَجُوزُ أَخْذُهَا مِمَّا تَيَسَّرَ مِنْ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّةِ: كَالسِّلاَحِ وَالثِّيَابِ وَالْحُبُوبِ وَالْعُرُوضِ فِيمَا عَدَا ثَمَنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. [3]
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 -عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: قَالَ مُعَاذُ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ «آخُذَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً ثَنِيَّةً، وَمِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ» [4]
فَهُوَ يَدُل عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْقِيمَةِ فِي الْجِزْيَةِ مِنَ الثِّيَابِ الْمَصْنُوعَةِ بِالْيَمَنِ وَالْمَنْسُوبَةِ إِلَى قَبِيلَةِ مَعَافِرَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَفِي سُنَّةِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِينَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، أَنَّ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ، تَقْوِيَةً لِفِعْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَلَا تَرَاهُ
(1) - الأم 4/ 127، والأموال ص 59، وابن زنجويه في الأموال 1/ 164، والخراج ص 125.
(2) - انظر: الاختيار 4/ 139، حاشية ابن عابدين 4/ 201، المنتقى 2/ 17، حاشية الخرشي 3/ 145، روضة الطالبين 10/ 315، مغني المحتاج 4/ 249، كفاية الأخيار 2/ 135، كشاف القناع 3/ 123، المبدع 3/ 412، الإنصاف 4/ 229، نهاية الرتبة في طلب الحسبة ص 107، معالم القربى ص 99، منح الجليل 1/ 759، جامع البيان 10/ 77 - 78، زاد المسير 3/ 421.
(3) - انظر: الخراج لأبي يوسف ص 122، الرتاج للرحبي 2/ 98، المنتقى للباجي 2/ 175، ونهاية المحتاج للرملي 8/ 87، والمغني لابن قدامة 8/ 504، زاد المعاد لابن القيم 2/ 90، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 29، وكشاف القناع للبهوتي 3/ 122، والمبدع لابن مفلح 3/ 411.
(4) - الأموال لابن زنجويه (1/ 125) (105) صحيح لغيره