حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ» [1] ،وَلأَِنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ فَكُّ الأَْسِيرِ الْمُسْلِمِ وَجَبَ أَنْ لاَ يَكُونَ عَوْنًا عَلَى أَسْرِ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ قَدْ أَمِنَ أَنْ يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ أَوْ يَسْتَذِلَّهُ مُسْتَطِيلٌ عَلَيْهِ فَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ وَصَحَّتِ الْهُدْنَةُ بِاشْتِرَاطِ رَدِّهِ، فَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَبَا جَنْدَل بْنَ سُهَيْل بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ، وَرَدَّ أَبَا بَصِيرٍ عَلَى أَبِيهِ؛ لأَِنَّهُمَا كَانَ ذَوِي عَشِيرَةٍ، وَطَلَبَهُمَا أَهْلُوهُمَا إِشْفَاقًا عَلَيْهِمَا فِي زَعْمِهِمْ [2] .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينَ لاَ يَجُوزُ الصُّلْحُ بِشَرْطِ رَدِّهِمْ وَلاَ يُرَدُّونَ لِضَعْفِهِمْ وَلاَ غُرْمَ فِي تَرْكِ رَدِّهِمْ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ فَإِنْ وَصَفَا الإِْسْلاَمَ رُدَّا إِنْ كَانَا مُمْتَنِعَيْنِ بِعَشِيرَةٍ وَأَهْلٍ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَضْعَفَيْنِ لَمْ يُرَدَّا، وَإِنْ وَصَفَا كُفْرًا لاَ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَا وَإِمَّا أَنْ يُرَدَّا إِلَى مَأْمَنِهِمَا، وَإِنْ وَصَفَا كُفْرًا يُقَرُّ أَهْلُهُ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَا وَإِمَّا أَنْ يَقْبَلاَ الْجِزْيَةَ، وَإِمَّا أَنْ يُرَدَّا إِلَى مَأْمَنِهِمَا [3] .
وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ فِي صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ أَسْلَمَ لأَِنَّهُ مُسْلِمٌ يَضْعُفُ عَنِ التَّخَلُّصِ مِنَ الْكُفَّارِ؛ أَمَّا شَرْطُ رَدِّ الطِّفْل مِنْهُمْ لاَ يَصِحُّ إِسْلاَمُهُ كَكَوْنِهِ دُونَ التَّمْيِيزِ فَيَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ شَرْعًا وَلاَ يَصْحُّ مِنْهُ الإِْسْلاَمُ لَوْ أَتَى بِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ [4] .
(1) - صحيح البخاري (1/ 24) (67)
[ش (إنسان) قيل هو بلال وقال في الفتح لكن الصواب أنه هنا أبو بكرة. (بخطتمه أو بزامه) هما بمعنى واحد وهو خيط تشد فيه حلقة تجعل في أنف البعير. (يوم النحر) أي اليوم الذي تنحر فيه الأضاحي أي تذبح وهو اليوم العاشر من ذي الحجة. (حرام) يحرم عليكم المساس بها والاعتداء عليها. (كحرمة) كحرمة تعاطي المحظورات في هذا اليوم. (في بلدكم هذا) مكة وما حولها. (الشاهد) الحاضر. (أوعى له) أفهم للحديث المبلغ]
(2) - الْحَاوِي الْكَبِير 18/ 412 - 413، ومغني الْمُحْتَاج 4/ 262، وتحفة الْمُحْتَاج 9/ 308
(3) - رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10/ 345، وشرح الْمَحَلِّيّ عَلَى الْمِنْهَاجِ 4/ 239
(4) - مَطَالِب أُولِي النُّهَى 2/ 587 - 588