بسبب ذلك، وإذا ظهرت أية إهانة لهما نعاقبهم على ذلك. لا أن نمنعهم من هذا الخير العميم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28]
يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْمُسْلِمُ الْجُنُبُ، بَل الْكَافِرُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَيُمْنَعُ مِنْهُ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ اغْتَسَل أَوْ لَمْ يَغْتَسِل، وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَال: إِِنِ اغْتَسَل جَازَ أَنْ يَمَسَّهُ، وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبَى يُوسُفَ الْمَنْعَ مُطْلَقًا [1] .
وَيُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنَ الْعَمَل فِي تَصْنِيعِ الْمَصَاحِفِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَال الْقَلْيُوبِيُّ: يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ تَجْلِيدِ الْمُصْحَفِ وَتَذْهِيبِهِ، لَكِنْ قَال الْبُهُوتِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَنْسَخَ الْكَافِرُ الْمَصَاحِفَ دُونَ مَسٍّ أَوْ حَمْلٍ [2] .
و - شَهَادَةُ أَهْل الذِّمَّةِ:
لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ أَهْل الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اتِّفَاقًا، إِلاَّ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَيُعَلِّل الْفُقَهَاءُ عَدَمَ قَبُول الشَّهَادَةِ مِنْهُمْ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا مَعْنَى الْوِلاَيَةِ، وَلاَ وِلاَيَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ.
كَذَلِكَ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ أَهْل الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق:2] ،وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِذِي عَدْلٍ. وَأَجَازَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ، مَا دَامُوا عُدُولًا فِي دِينِهِمْ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَا هَذِهِ، وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَشْهَدُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ فَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ فَأَخْبَرَاهُ، وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ
(1) - الفتاوى الهندية 5/ 323، وابن عابدين 1/ 119، وشرح منتهى الإرادات 1/ 74.
(2) - شرح منتهى الإرادات 1/ 74، والقليوبي على شرح المنهاج 3/ 19، ومغني المحتاج 1/ 38.الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (38/ 19)