وقد شاءت إرادته أن يجعل الرسالة والكتاب في غير أهل الكتاب بعد ما خاسوا بعهدهم مع اللّه ونقضوا ذمة أبيهم إبراهيم وعرفوا الحق ولبسوه بالباطل وتخلوا عن الأمانة التي ناطها اللّه بهم وتركوا أحكام كتابهم وشريعة دينهم وكرهوا أن يتحاكموا إلى كتاب اللّه بينهم. وخلت قيادة البشرية من منهج اللّه وكتابه ورجاله المؤمنين .. عندئذ سلم القيادة، وناط الأمانة، بالأمة المسلمة. فضلا منه ومنة. «واللّه واسعٌ عليمٌ» .. «يخْتصّ برحْمته منْ يشاء» .. عن سعة في فضله وعلم بمواضع رحمته .. «واللّه ذو الْفضْل الْعظيم» .. وليس أعظم من فضله على أمة بالهدى ممثلا في كتاب. وبالخير ممثلا في رسالة .. وبالرحمة ممثلة في رسول.
فإذا سمع المسلمون هذا أحسوا مدى النعمة وقيمة المنة في اختيار اللّه لهم، واختصاصه إياهم بهذا الفضل.
واستمسكوا به في إعزاز وحرص، وأخذوه بقوة وعزم، ودافعوا عنه في صرامة ويقين، وتيقظوا لكيد الكائدين وحقد الحاقدين. وهذا ما كان يربيهم به القرآن الكريم والذكر الحكيم. وهو ذاته مادة التربية والتوجيه للأمة المسلمة في كل جيل. [1]
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {قلْ يا أهْل الْكتاب لم تكْفرون بآيات اللّه واللّه شهيدٌ على ما تعْملون (98) قلْ يا أهْل الْكتاب لم تصدّون عن سبيل اللّه منْ آمن تبْغونها عوجًا وأنتمْ شهداء وما اللّه بغافلٍ عمّا تعْملون (99) } آل عمران
يعنّف الله تعالى أهْل الكتاب على كفْرهمْ بآيات الله، وصدّهم النّاس عنْ سبيل الله مع علْمهمْ بأنّ ما جاء به الرّسول حقٌّ منْ عنْد الله، والله شهيدٌ على صنيعهمْ بما خالفوا ما بأيْديهمْ منْ كتب الأنْبياء، وهو مجازيهمْ عليه، وذلك ممّا يوجب عليْهمْ ألاّ يجْترئوا على الكفْر بالله وبآياته.
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:675)