وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْخِدَاعِ مَعَ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كَيْفَ اتَّفَقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ، أَوْ أَمَانٍ، وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْكَذِبِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا يَجُوزُ مِنَ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ الْمَعَارِيضُ، وَحَقِيقَتُهُ لَا تَجُوزُ، وَالظَّاهِرُ إِبَاحَةُ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ، لَكِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّعْرِيضِ أَفْضَلُ [1]
وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم،أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم،وَهُوَ يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا [2]
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ أُمُورٌ قَدْ يَضْطَرُّ الْإِنْسَانُ فِيهَا إِلَى زِيَادَةِ الْقَوْلِ وَمُجَاوَزَةِ الصِّدْقِ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَقَدْ رَخَّصَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فِي الْيَسِيرِ مِنَ الْإِفْسَادِ لِمَا يُؤْمَلُ فِيهِ الْكَثِيرُ مِنَ الْإِصْلَاحِ، فَالْكَذِبُ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ هُوَ أَنْ يَنْمِيَ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى صَاحِبِهِ خَيْرًا وَيُبْلِغُهُ جَمِيلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ مِنْهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِصْلَاحَ، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ أَنْ يُظْهِرَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً وَيَتَحَدَّثَ بِمَا يُقَوِّي بِهِ أَصْحَابَهُ وَيَكِيدَ بِهِ عَدُوَّهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:" «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» "،وَأَمَّا كَذِبُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ هُوَ أَنْ يَعِدَهَا وَيُمَنِّيَهَا وَيُظْهِرَ لَهَا مِنَ الْمَحَبَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا فِي نَفْسِهِ يَسْتَدِيمَ بِذَلِكَ صُحْبَتَهَا وَيَصْلُحَ بِهِ خُلُقُهَا. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اعْتَذَرَ إِلَى رَجُلٍ بِحَرْفِ الْكَلَامِ وَلَحْنِهِ لِيُرْضِيَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا، وَقَوْلُهُ: وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ لِيَسْتَقِيمَ مَعًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ. [3]
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2535)
(2) - صحيح مسلم (4/ 2011) 101 - (2605)
(3) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3151)