أَحَدٌ فِي خَيْرٍ، أَوْ يُسَاوِيَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَمْتَازَ عَلَى النَّاسِ بِفَضَائِلِهِ، وَيَنْفَرِدَ بِهَا عَنْهُمْ، وَالْإِيمَانُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يُشْرِكَهُ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مَنْ لَا يُرِيدُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَلَا الْفَسَادَ، فَقَالَ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص:83] (الْقَصَصِ:83) .] [1] .
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ" [2]
وكيفية تطبيق هذه القاعدة يكون بمعرفة أن الأمور الثلاثة: شر لاشك فيه، وخير لاشك فيه، وشيء متردد بينهما، فالشر مطلوب الكف عنه وهو ما أشرنا إليه بكف الأذى، والخير المطلوب فعله وهو ما أشرنا إليه بإيصال النفع إلى الناس قدر الاستطاعة، وأما الأمر الثالث المتردد فيه فعليك بأن تفكر قبل الإقدام هل ترضاه لنفسك أم لا؟ فإن رضيته لنفسك ولم يخالف حكمًا شرعياَ فأقدم وإلا فلا.
وكما ترى فهذه القاعدة (وهي أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك) متضمنة لشقي المعاملة الذين أشرت إليهما آنفا هما كف الأذى وجلب النفع، فما من أحد إلا وهو يحب أن يكف الناس أذاهم عنه وأن ينفعوه، والإيمان يقتضي أن يحب هذا للناس كما يحبه لنفسه وإن لم يعامله الناس هكذا.
وسوف أذكر بعض ما يدخل في كف الأذى وجلب النفع مجملا ...
عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِاللهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ» قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا» قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 306)
(2) - مسند أحمد ط الرسالة (11/ 411) (6807) صحيح