ولا يقدمون على ما ظاهره الإفساد مما يعيبهم به المفسدون فعلًا، إلا إذا كان الله قد أذن لهم فيه، لأنه يؤدي إلى الإصلاح، بل عملهم ذلك يعتبر إصلاحًا: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر:5] .
إِنَّ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ أَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَمَا تَرَكْتُمُوهُ دُونَ قَطْعٍ فَالجَمِيعُ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ، وَلاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلاَ حَرَجَ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ وَخِزْيٌ وَنكَالٌ لِلفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ. [1]
بعد هذه المقدمة التي لا بد منها والتي تحدد سلوك المسلمين في كل شيء -ولاسيما في معاملة الأعداء في أنفسهم وأموالهم- يسأل هذا السؤال هل يجوز للمجاهدين المسلمين تدمير بيوت المحاربين وإتلاف أموالهم والتمثيل بجثثهم؟
يتضح مما مضى أن الأصل عدم مشروعية التخريب والإتلاف للحيوانات والزروع والمنازل وغيرها، لأن المقصود هو القضاء على شوكة أعداء الإسلام، وشفاء صدور المؤمنين منهم، وإغاظتهم، فإذا حصل ذلك بدون تخريب ولا إتلاف كان بها، وإلا فإن للجيش الإسلامي أن يخرب ويتلف ما لا يتم الانتصار على العدو إلا بتخريبه وإتلافه، كالبيوت التي يتحصنون بها، وحرق الأشجار التي يندسون فيها، أو ما يوقع الغيظ في نفوسهم، ويجعلهم يخرجون للدفاع عنه، ليتمكن المجاهدون من قتالهم والقضاء على شوكتهم. فقد ثبت عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ البُوَيْرَةُ» ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ} [الحشر:5] [2]
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية قولين:
القول الأول: إنه صلى الله عليه وسلم عندما قطع نخل بني النضير، عابه هؤلاء، واتهموه بأنه ينهى عن الفساد ويأتيه، فنزلت الآية. عن يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِهِمْ، يَعْنِي بِبَنِي
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5009،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح البخاري (6/ 147) "4884"وصحيح مسلم (3/ 1365) 29 - (1746)