باللّه وكتابه ورسوله وكما ذمّ الْمدّعين الْإيمان بالْكتب كلّها وهمْ يتْركون التّحاكم إلى الْكتاب والسّنّة ويتحاكمون إلى بعْض الطّواغيت الْمعظّمة منْ دون اللّه كما يصيب ذلك كثيرًا ممّنْ يدّعي الْإسْلام وينْتحله في تحاكمهمْ إلى مقالات الصّابئة الْفلاسفة أوْ غيْرهمْ أوْ إلى سياسة بعْض الْملوك الْخارجين عنْ شريعة الْإسْلام منْ ملوك التّرْك وغيْرهمْ وإذا قيل لهمْ: تعالوْا إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله أعْرضوا عنْ ذلك إعْراضًا وإذا أصابتْهمْ مصيبةٌ في عقولهمْ ودينهمْ ودنْياهمْ بالشّبهات والشّهوات أوْ في نفوسهمْ وأمْوالهمْ عقوبةً على نفاقهمْ قالوا إنّما أردْنا أنْ نحْسن بتحْقيق الْعلْم بالذّوْق ونوفّق بيْن"الدّلائل الشّرْعيّة"و"الْقواطع الْعقْليّة"الّتي هي في الْحقيقة ظنونٌ وشبهاتٌ أوْ"الذّوْقيّة"الّتي هي في الْحقيقة أوْهام وخيالات {أولئك الّذين يعْلم اللّه ما في قلوبهمْ فأعْرضْ عنْهمْ وعظْهمْ وقلْ لهمْ في أنْفسهمْ قوْلًا بليغًا} إلى قوْله: {فلا وربّك لا يؤْمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بيْنهمْ ثمّ لا يجدوا في أنْفسهمْ حرجًا ممّا قضيْت ويسلّموا تسْليمًا} " [1] ."
قال: ومن ذلك قوله تعالى {فلا وربّك لا يؤْمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بيْنهمْ ثمّ لا يجدوا في أنْفسهمْ حرجًا ممّا قضيْت ويسلّموا تسْليمًا} أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفى عنهم الحرج وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمة بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض" [2] "
لقدْ أقْسم اللّه جلّ جلاله في كتابه بنفْسه الْمقدّسة قسمًا عظيمًا، يعْرف مضْمونه أولو الْبصائر، فقلوبهمْ منْه على حذرٍ إجْلالًا له وتعْظيمًا، فقال تعالى تحْذيرًا لأوْليائه وتنْبيهًا على
(1) - مجموع الفتاوى (12/ 339)
(2) - التبيان في أقسام القرآن (ص:430)