فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات، وأن تنفض عنها تلك الرواسب وأن تتجرد للّه تسمع منه وتطيع، حيثما وجهها اللّه تتجه، وحيثما قادها رسول اللّه تقاد.
ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم. إنهم ليسوا على ضلال، وإن صلاتهم لم تضع، فاللّه سبحانه لا يعنت العباد، ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها: «وما كان اللّه ليضيع إيمانكمْ، إنّ اللّه بالنّاس لرؤفٌ رحيمٌ» ..
إنه يعرف طاقتهم المحدودة، فلا يكلفهم فوق طاقتهم وإنه يهدي المؤمنين، ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان، حين تصدق منهم النية، وتصح العزيمة. وإذا كان البلاء مظهرا لحكمته، فاجتياز البلاء فضل رحمته: «إنّ اللّه بالنّاس لرؤفٌ رحيمٌ» .. بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة، ويذهب عنها القلق، ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين .. [1]
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {الْيوْم أكْملْت لكمْ دينكمْ وأتْممْت عليْكمْ نعْمتي ورضيت لكم الإسْلام دينًا} (3) سورة المائدة
قال الطبري:"اخْتلف أهْل التّأْويل في تأْويل ذلك، فقال بعْضهمْ: يعْني جلّ ثناؤه بقوْله: {الْيوْم أكْملْت لكمْ دينكمْ} [المائدة:3] الْيوْم أكْملْت لكمْ أيّها الْمؤْمنون فرائضي عليْكمْ وحدودي، وأمْري إيّاكمْ ونهْيي، وحلالي وحرامي، وتنْزيلي منْ ذلك ما أنْزلْت منْه في كتابي، وتبْياني ما بيّنْت لكمْ منْه بوحْيي على لسان رسولي، والْأدلّة الّتي نصبْتها لكمْ على جميع ما بكم الْحاجة إليْه منْ أمْر دينكمْ، فأتْممْت لكمْ جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعْد هذا الْيوْم. قالوا: وكان ذلك في يوْم عرفة، عام حجّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حجّة الْوداع. وقالوا: لمْ ينْزلْ على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعْد هذه الْآية شيْءٌ من الْفرائض ولا تحْليل شيْءٍ ولا تحْريمه، وإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمْ يعشْ بعْد نزول هذه الْآية إلّا إحْدى وثمانين ليْلةً"
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:339)