عن ابْن عبّاسٍ، قوْله: {الْيوْم أكْملْت لكمْ دينكمْ} [المائدة:3] وهو الْإسْلام، قال: أخْبر اللّه نبيّه صلى الله عليه وسلم والْمؤْمنين أنّه قدْ أكْمل لهم الْإيمان فلا يحْتاجون إلى زيادةٍ أبدًا، وقدْ أتمّه اللّه عزّ ذكْره فلا ينْقصه أبدًا، وقدْ رضيه اللّه فلا يسْخطه أبدًا""
وأوْلى الْأقْوال في ذلك بالصّواب أنْ يقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ أخْبر نبيّه صلى الله عليه وسلم والْمؤْمنين به، أنّه أكْمل لهمْ يوْم أنْزل هذه الْآية على نبيّه دينهمْ، بإفْرادهمْ بالْبلد الْحرام، وإجْلائه عنْه الْمشْركين، حتّى حجّه الْمسْلمون دونهمْ، لا يخالطونهم الْمشْركون. فأمّا الْفرائض والْأحْكام، فإنّه قد اخْتلف فيها، هلْ كانتْ أكْملتْ ذلك الْيوْم أمْ لا؟ فروي عن ابْن عبّاسٍ والسّدّيّ ما ذكرْنا عنْهما قبْل. وروي عن الْبراء بْن عازبٍ أنّ آخر آيةٍ نزلتْ من الْقرْآن: {يسْتفْتونك قل اللّه يفْتيكمْ في الْكلالة} [النساء:176] ولا يدْفع ذو علْمٍ أنّ الْوحْي لمْ ينْقطعْ عنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنْ قبض، بلْ كان الْوحْي قبْل وفاته أكْثر ما كان تتابعًا. فإذْ كان ذلك كذلك، وكان قوْله: {يسْتفْتونك قل اللّه يفْتيكمْ في الْكلالة} [النساء:176] آخرها نزولًا وكان ذلك من الْأحْكام والْفرائض، كان معْلومًا أنّ معْنى قوْله: {الْيوْم أكْملْت لكمْ دينكمْ} [المائدة:3] على خلاف الْوجْه الّذي تأوّله منْ تأوّله، أعنّي: كمال الْعبادات والْأحْكام والْفرائض. فإنْ قال قائلٌ: فما جعْل قوْل منْ قال: قدْ نزل بعْد ذلك فرْضٌ أوْلى منْ قوْل منْ قال: لمْ ينْزلْ؟ قيل لأنّ الّذي قال لمْ ينْزلْ، مخْبرٌ أنّه لا يعْلم نزول فرْضٍ، والنّفْي لا يكون شهادةً، والشّهادة قوْل منْ قال: نزل، وغيْر جائزٍ دفْع خبر الصّادق فيما أمْكن أنْ يكون فيه صادقًا
وأتْممْت نعْمتي أيّها الْمؤْمنون بإظْهاركمْ على عدوّي وعدوّكمْ من الْمشْركين، ونفْيي إيّاهمْ عنْ بلادكمْ، وقطْعي طمعهمْ منْ رجوعكمْ، وعوْدكمْ إلى ما كنْتمْ عليْه من الشّرْك.
عن ابْن عبّاسٍ، قال:"كان الْمشْركون والْمسْلمون يحجّون جميعًا، فلمّا نزلتْ براءة، فنفى الْمشْركين عن الْبيْت، وحجّ الْمسْلمون لا يشاركهمْ في الْبيْت الْحرام أحدٌ من الْمشْركين، فكأنّ ذلك منْ تمام النّعْمة: {وأتْممْت عليْكمْ نعْمتي} [المائدة:3] "
وعنْ عامرٍ في هذه الْآية: {الْيوْم أكْملْت لكمْ دينكمْ وأتْممْت عليْكمْ نعْمتي} [المائدة:3] قال:"نزلتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقفٌ بعرفاتٍ، وقدْ أطاف به النّاس، وتهدّمتْ منار"