الْجِزْيَةُ مِنَ الأَمْوَال الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَوَلَّى أَمْرَهَا الأَئِمَّةُ وَالسَّلاَطِينُ، فَالشَّرْعُ هُوَ الَّذِي قَدَّرَ الْجِزْيَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيل: يُقَدِّرُهَا الإِمَامُ.
وَالإِمَامُ يَعْقِدُ الذِّمَّةَ وَيُطَالِبُ بِالْجِزْيَةِ وَيَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ بِاجْتِهَادِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الإِمَامَ الْعَدْل وَكِيلٌ عَنِ الأُمَّةِ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَفِي تَدْبِيرِ شُئُونِهَا. قَال الْقُرْطُبِيُّ:"الأَمْوَال الَّتِي لِلأَئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ فِيهَا مَدْخَلٌ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: الأَوَّل: مَا أُخِذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَرِيقِ التَّطْهِيرِ لَهُمْ كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ. وَالثَّانِي: الْغَنَائِمُ وَمَا يَحْصُل فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَال الْكَافِرِينَ بِالْحَرْبِ وَالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ. وَالثَّالِثُ: الْفَيْءُ، وَهُوَ مَا رَجَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَال الْكُفَّارِ عَفْوًا صَفْوًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَلاَ إِيجَافٍ كَالصُّلْحِ وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَالْعُشُورِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ [1] ."
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَحَقُّ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ لِلإِمَامِ، فَيُطَالِبُ بِهَا وَيَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ.
وَالإِمَامُ الْمُطَالِبُ بِالْجِزْيَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَادِلًا، أَوْ جَائِرًا ظَالِمًا، أَوْ بَاغِيًا، أَوْ خَارِجًا عَلَى إِمَامِ الْعَدْل، أَوْ مُحَارِبًا وَقَاطِعًا لِلطَّرِيقِ.
الإِمَامُ الْعَادِل: هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُسْلِمُونَ لِلإِمَامَةِ وَبَايَعُوهُ، وَقَامَ بِتَدْبِيرِ شُئُونِ الأُمَّةِ وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل. فَإِذَا طَلَبَ مِنْ ذَوِي الأَمْوَال مَالًا لاَ يَطْلُبُهُ إِلاَّ بِحَقٍّ، وَإِذَا قَسَمَ أَمْوَالًا عَامَّةً قَسَمَهَا وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ وَحَسَبَ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"وَاللهِ، مَا أُعْطِيكُمْ، وَلَا أَمْنَعُكُمْ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُهُ حَيْثُ أُمِرْتُ" [2]
وَقَال أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذَا الْمَال بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَال: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النِّسَاء:6] وَاللَّهِ مَا أَرَى أَرْضًا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَاةٌ فِي كُل يَوْمٍ إِلاَّ اسْتَسْرَعَ خَرَابُهَا."
(1) - الجامع لأحكام القرآن 18/ 14.
(2) - مسند أحمد ط الرسالة (16/ 180) (10257) صحيح