وَالنَّصَارَى، كَمَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَأَمَّا صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ فَقَدْ كَانَتْ مَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا لاَ أَحْكَامَ فِيهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَحْكَامٍ. قَال الشِّهْرِسْتَانِيُّ: أَهْل الْكِتَابِ: الْخَارِجُونَ عَنِ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَالشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ، مِمَّنْ يَقُول بِشَرِيعَةٍ وَأَحْكَامٍ وَحُدُودٍ وَأَعْلاَمٍ ... وَمَا كَانَ يَنْزِل عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَا كَانَ يُسَمَّى كِتَابًا، بَل صُحُفًا. [1]
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَجَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ [2] .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِإِطْلاَقِ قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبِلَهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ، فَقَدْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَيَهُودِ الْيَمَنِ، وَأُكَيْدِرِ دَوْمَةِ الْجَنْدَل.
فعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، الَّذِينَ صَالَحُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى الْجِزْيَةِ، أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، لَيْسَتْ عَلَيَّ جِزْيَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْتَ مُتَعَوِّذٌ بِالْإِسْلَامِ مِنَ الْجِزْيَةِ؟،فَقَالَ: الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كُنْتُ مُتَعَوِّذًا
(1) - حاشية ابن عابدين 4/ 198، والمنتقى 2/ 172، وروضة الطالبين 10/ 304، والأحكام السلطانية للماوردي ص 143، والأحكام السلطانية للفراء ص 153، كشاف القناع 3/ 117، والمحلى 7/ 562، وجامع البيان في تفسير القرآن 8/ 69، والملل والنحل - دار المعرفة ببيروت - 1402 هـ - 1/ 208 - 210.
(2) - بدائع الصنائع 9/ 4329، والهداية 2/ 160، وحاشية ابن عابدين 4/ 198، وبداية المجتهد 1/ 403، والمقدمات على هامش المدونة 1/ 400، وروضة الطالبين 10/ 304، ومغني المحتاج 4/ 244، وكشاف القناع 3/ 117، والمبدع 3/ 404، والمحلى 7/ 562.