اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الأَْمَانُ مِنْ مُسْلِمٍ فَلاَ يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَزَادَ الْكَاسَانِيُّ: وَإِنْ كَانَ يُقَاتِل مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَلاَ تُؤْمَنُ خِيَانَتُهُ، وَلأَِنَّهُ إِذَا كَانَ مُتَّهَمًا فَلاَ يَدْرِي أَنَّهُ بَنَى أَمَانَهُ عَلَى مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّفَرُّقِ عَنْ حَال الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ أَمْ لاَ، فَيَقَعُ الشَّكُّ فِي وُجُودِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، فَلاَ يَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ [1] ،وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَمَانُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَاسْتَدَلُّوا بحديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عِنْدَنَا، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم فِي كِتَابٍ شَيْءٌ إِلَّا كِتَابَ اللهِ، وَشَيْءٌ فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَالْعَدْلُ: هِيَ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، وَالصَّرْفُ: صَلَاةُ التَّطَوُّعِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَيُقَالُ: الْعَدْلُ: الْفِدْيَةُ، وَالصَّرْفُ: التَّوْبَةُ، [2] وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَل الذِّمَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلاَ تَحْصُل لِغَيْرِهِمْ، وَلأَِنَّ كُفْرَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى سُوءِ الظَّنِّ، وَلأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ، وَلأَِنَّهُ كَافِرٌ فَلاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلاَّ إِذَا أَمَرَهُ بِهِ مُسْلِمٌ - سَوَاءٌ كَانَ الآْمِرُ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ أَوْ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ - بِأَنْ قَال الْمُسْلِمُ لِلذِّمِّيِّ: آمِنْهُمْ، فَقَال الذِّمِّيُّ: قَدْ آمَنْتُكُمْ، لأَِنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ إِنَّمَا لاَ يَصِحُّ لِتُهْمَةِ مَيْلِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَزُول التُّهْمَةُ إِذَا أَمَرَهُ بِهِ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَال الذِّمِّيُّ: إِنَّ فُلاَنًا الْمُسْلِمَ قَدْ آمَنَكُمْ، لأَِنَّهُ صَارَ مَالِكًا لِلأَْمَانِ بِهَذَا الأَْمْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ آخَرَ [3] .
(1) - بدائع الصنائع 7/ 107، والشرح الصغير 2/ 287، والقوانين الفقهية / 159، وروضة الطالبين 10/ 279، والوجيز 2/ 194، وكشاف القناع 3/ 104.
(2) - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (11/ 258) (6662) صحيح
(3) - ابن عابدين 3/ 228، والشرح الصغير 2/ 287، والمغني 8/ 398، وكشاف القناع 3/ 104، ومغني المحتاج 4/ 236، 237.